تقارير| ندوة: " المناهج الأدبية وفهم النص الديني"

                                                                                                                عن موقع : مؤمنون بلا حدود 

 اجتمع السبت الماضي الموافق لـ 20 فبراير(شباط)  الجاري، كل من المفكر المغربي المتخصص في السميائيات الدكتور سعيد بنكراد، والدكتورة حورية الخمليشي، في صالون جدل الثقافي التابع لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث، لمناقشة أحد المواضيع الأكثر إثارة، والتي تتعلق بالتقاطعات الجامعة بين مبدأ التأويل في النص الأدبي والديني ، وكيف يسهم الأدب في فهم النص الديني؟ 
و صاحب سؤال، كيف يسهم الأدب في فهم النص الديني؟ مجموعة من الإشكالات التي عبرت عن الطرح العميق للندوة، من قبيل، لماذا تصادر المؤسسات الدينية الأدب والإبداع؟ وهل يمكن إخضاع النص الأدبي لثوابت الدين والأخلاق؟ وكيف يمكن الفصل بين الأدب والعقيدة؟ وهل يجوز أن نحاكم الأدب والفن بالواقع؟ وهل تمثّل دلالات النص الديني في النص الأدبي إرادة المشرّع أم إرادة المبدع؟
 انطلاقا من مبدأ أن الأعمال الأدبية الكبرى، تسهم في نشر القيم الإنسانية التي تدعو إليها الأديان، تمكن كل من الدكتور بنكراد، والدكتورة الخمليشي من طرح المحددات والمرتكزات التي استندت إليها السميائيات لفهم النص الأدبي، والذي يعد نصاً تخيلياً متعدد المعاني والتأويلات، وقد تمكنوا من ربطها بالنص الديني. واعتبروا أن استثمار النص الأدبي للنص الديني جاء نتيجة لما يمتلكه هذا الأخير من طاقة دلالية وتأويلية واسعة عن طريق التناص الديني للنصوص المقدسة.
 حورية الخمليشي : النص الأدبي عقيدة إنسانية والنص الديني عقيدة دينية
اعتبرت الدكتورة حورية الخمليشي أن كلا من النص الأدبي والديني يتميزان بإعجاز خاص، ينبثق من القدرة الإبداعية التي تنطوي في عمقهما، غير أن لكل خصوصيته؛  فالنص الأدبي عقيدة إنسانية، أما الديني فهو عقيدة دينية، وانطلقت في شرحها لهذه الجدلية من مبدأ التأويل، وكما قالت :" فجدلية المناهج الأدبية في فهم النص الديني من المواضيع المحورية في عصرنا الحالي، وأول ما يطرح علينا هو سؤال التأويل، لأن العلاقة بين النص الديني والأدبي علاقة يحكمها التأويل، الذي له أفاق وفلسفة واستراتيجية"، وأضافت  "أن العقل البشري يعيش التأويل باستمرار، والحقيقة المطلقة لا توجد على خلاف ما يزعم".
وانطلقت الخمليشي في شرحها لاستعمال مصطلح "الإعجاز الأدبي"، والذي تخص به المطارحات غير المستعملة في الأدب، والتي تخص هذا المفهوم، بناء على مبدأ أن هذه الصفة لا تتوفر فقط في النص الديني، بل هي خاصة إنسانية تحويها أيضاً العديد من النصوص الأدبية العظيمة التي تتوفر على عناصر أدبية، أصبحت بها نصوصا فوق اللغة، وعلى مسألة الفصل بين العقيدة والأدب، للابتعاد عن تكليس المعنى الواحد في التفسير الذي قد يحمل في طياته معانٍ متعددة.
سعيد بنكراد: التأويل ليس ممارسة حرة لا تكترث لإكراهات المنطوق الحرفي
أكد سعيد بن كراد، أستاذ السميائيات بكلية الآداب، جامعة محمد الخامس أكدال، الرباط المغرب، والمدير المسؤول لمجلة علامات التي صدر عددها الأول سنة 1994، وهي مجلة متخصصة في الدراسات السميائية، أن  التأويل ليس ممارسة حرة لا تكترث لإكراهات المنطوق الحرفي.  ذلك أن المعنى في النص ليس طاقة حدسية، بل هو إفراز لترابطات قائمة بين مكونات ثلاثة هي أساس مجمل التنويعات التي تلحق وجوده وتلقيه، ما يعود إلى الحاضن الثقافي العام، ما يسميه إيكو الموسوعة، تلك الذاكرة العامة التي يمتح منها الناس قدرا كبيرا من أحكامهم ومواقفهم، أي مجموع ما تراكم من خبرات ومعارف مشتركة؛ وما يأتي به قارئ تحركه الرغبة في "الفهم"، فهم ذاته من خلال فهم النص. إنه لا يكتفي بالتعرف على ما هو مُثبت في بنية مستقلة بمعناها ومبناها، بل يأتي بمعان إضافية هي جزء من محيط مشترك بينه وبين عوالم النص.
بعبارة أخرى، يرى بن كراد أن التأويل ليس مجرد محفل يقرأ، بل هو في الجوهر سؤال يضعه الوعي الثقافي على النص، أو هو أفق لا يمكن، في عُرْف الهرموسية الفلسفية مثلا، أن يتحقق إلا في مواجهته بأفق آخر هو ما تقترحه عوالم النص صراحة أو توحي به، وهو ما يعني أن القول ليس غُفلا، ولن يكون الـمَقول مجرد كَمَّ خَبَري محايد، فمصدر الفائض من المعنى مستمد من هذا وذاك في الوقت ذاته ضمن سياقات ثقافية هي ذاكرة النص وممكنات تأويله.
وبهذا الصدد يقول بن كراد: "إن االترابط لن يكون سبيلنا إلى حقائق "الواقع"، وهو ما تصطدم به حواسنا، بل يمر عبر سلسلة من "الوسائط " هي ما يشكل جسرا ضروريا بين ما يُبنى في "الرمز"، وبين ما يحيل أو يوهم بحقيقة عينية لا أحد يشكك فيها، وهي صيغة أخرى للقول إن مآل العلامات هو الفعل ولا شيء غيره، ففي الممارسة وحدها تنحل العلامات لتصبح عادة، بتعبير ش. س . بورس. ومن هذه العادة تنبثق أشكال سلوكية جديدة تودع في المفاهيم ومن خلالها تتعمم".
والحاصل، يضيف بنكراد، أن التداول في أمر النصوص لا يمكن أن يتم في انفصال عن السيرورة الثقافية التي يتشكل داخلها المعنى ويصبح "قادرا على التدليل"، بتعبير كريماص، إنها وحدها قابلة للتحديد، ومن خلالها يتحدد حجم المعنى في النص، فهي مستودع الحياة وبؤرتها، وشكل من أشكال وجودها المجرد في الذاكرة.  ويتعلق الأمر بخطاطات الفعل في الذهن قبل أن يصبح واقعا، وبما يَبْنيه المتخيل ويحتفي به الناس باعتباره حقيقة لا أحد يشكك فيها. وفي جميع الحالات، فإن الأساسي في النص ليس الكم المعنوي الموضوع للتداول، بل النسق الذي يبرره ومن خلاله تتحدد المسارات التأويلية الممكنة والمستبعدة أيضا؛ أي إمكانية استثمار الطاقات الدلالية في الحيز الزمني الفضائي الحاضن للفعل الإنساني.
ويضيف بن كراد أن هذا الأمر يصدق على كل النصوص،  بما فيها النصوص الدينية التي يُقال إنها تشتمل على معنى أصلي أودعته هناك ذات إلهية لا أحد منا يُدرك سرها. وهذا ما كشفت عنه كل المحاولات التي كانت ترغب في استعادة زمنية ولت لا شاهد عليها سوى المعاني التي تضمنتها نصوص تَضِن في الغالب بأسرارها. يدخل ضمن ذلك ما قام به الفيلولوجيون  والهرموسيون القدامى، وهم يبحثون عن النص الهوميري الأصلي في الإسكندرية وبيرغام، ومرورا بترجمة النصوص المقدسة وملاءمتها مع محيطاته الجديدة ( الفولغات وغيرها من الكتابات التي هاجرت من نصها الأصلي لتسكن لغات جديدة)، وانتهاء بالهرموسية الرومانسية التي اعتقدت في وجود معنى أصلي لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال نشاط تأويلي يقود إلى وضع اليد على ما كان يوده المؤلف ويفكر فيه.

ضع تعليقك هنا
الإبتسامات إخفاء