تقرير مناقشة أطروحة : آليات التأويل النحوي ووظائفه لدى جار الله الزمخشري من خلال تفسيره الكشاف

 :

تقرير حول مناقشة أطروحة:

نوقش برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس, جامعة محمد بن عبد الله المملكة المغربية, بتاريخ 20/07/2015 أطروحة للأستاذ الدكتور عبد القادر أنكير التي تقدم بها لنيل شهادة الدكتوراه في موضوع "آليات التأويل النحوي ووظائفه لدى جار الله الزمخشري من خلال تفسيره الكشاف" تحت إشراف الأستاذ الدكتور العياشي السنوني. وقد تكونت لجنة المناقشة من السادة الأساتذة:
_الأستاذ الدكتور: عبد الرحيم الرحموني رئيسا
_الأستاذ الدكتور: العياشي السنوني مشرفا
_الأستاذ الدكتور: محمد بوحمدي عضوا
_الأستاذ الدكتور: عبد الرحمن ياجيوي عضوا
وفي نهاية المناقشة أعلنت اللجنة العلمية الطالب عبد القادر أنكير ناجحا بميزة مشرف جدا.
  • تقرير حول الأطروحة:

الحمد لله رب العالمين الملك الحق المبين الذي خلق الإنسان علمه البيان والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين القائل: " إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكما "وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار, ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمر واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم سبحانك لا فهم لنا إنم أنت الجواد الكريم,
وبعد يشرفني في مفتتح هذه الجلسة العلمية المباركة أن أتقدم بالشكر الجزيل لأستاذي الكريم فضيلة الدكتور العياشي السنوني على تفضله بالإشراف على هذا البحث، وما أسداه من نصح وتوجيه وتشجيع. وعلى صبره وحدبه ولين معشره طيلة ثمان سنوات. فقد صحبته منذ سنوات السلك الثالث سنة 2005 ووجدته نعم المعلم ونعم الناصح، لم يكتم علما ولم يبخل بوقت. فشكرا له شكرا يكافئ إحسانه ويبلغ جميله. والله تعالى أسال أن يجعل هذا العمل حسنة من حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
كما يشرفني أن أتوجه بالشكر الجزيل والثناء الجميل للسادة الأساتذة الأجلاء أعضاء لجنة الفحص والمناقشة: فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الرحيم الرحموني رئيس هذه اللجنة العلمية الموقرة وفضيلة الأستاذ الدكتور محمد بوحمدي وفضيلة الدكتور عبد الرحمن يجيوي كما لا يفوتني ان أبعث من هذا المنبر بشكر خاص لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد الدحماني المتواجد الآن خارج أرض الوطن والذي كان عضوا في لجنة المناقشة لكن لم يتيسر له الحضور حبسه العذر. فجزاكم الله جميعا عن العلم وطلبة العلم ودور العلم الجزاء الحسن وأثابكم الثواب الأوفى إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثم الشكر موصول أيضا إلى كل أساتذتي الأجلاء، وكل الإخوان والزملاء والأصدقاء، بما نصحوا واقترحوا وقدموا من خدمات.
سيدي الرئيس السادة أعضاء اللجنة أيها الحضور الكريم يشرفني أن أضع بين أيديكم ملخصا حول مسيرة علمية استمرت ثمان سنوات قبل أن تخرج شطأها وتغلظ وتستوي على سوقها بفضل الملك الوهاب سبحانه. تلكم المسيرة الرحلة التي لم تكن ثمارها حلوة دائما ولا مرة دائما فقد امتزجت حلاوة نجاحاتها بمرارة صعوباتها وتآلف وعثاء السفر فيها بحسن المنقلب وحرقة البدايات مع شوق النهايات والمنة لله وحده.
لقد كانت بحق مسيرة بكل ما تحمله الكلمة من معاني السير والمسير والتنقل بين أفانين العلوم وأصناف المعارف ورجالات العلم وأهل الأدب وفرسان القراءة والتأويل وما يستتبع ذلك من مشاق البحث ومتع الاستكشاف ولذاذة الوصول.
سيدي الرئيس السادة أعضاء اللجنة: لقد ظل التأويل قرونا مرادفا للتفسير ملازما له لا تكاد تميز بينهما إلا في اللفظ. وظل الراسخون في العلم من السلف أوفياء لقوله تعالى (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران: 7] متهيبين له, حتى أتى على الأمة حين من الدهر انقسمت إلى فرق ومذاهب فشا فيها الخلاف واحتدم، وكثر الجدل واشتد، واحتاج كل طرف إلى حجة تؤيد مذهبه وتقويه، وتقوض مذهب الخصم وتوهيه، ومن هؤلاء اللغويون والنحاة والفقهاء والمتكلمون والمتصوفة والمعتزلة وأهل السنة والشيعة وغيرهم، فكان ملاذهم الوحيد للحجاج هو الكتاب والسنة. حيث وجهوا إليهما آلاتهم التأويلية, وأشبعوهما قراءة وتأويلا واستنطاقا، طلبا لحجة أو دليل يتوكأ عليهما أحدهم في الدفاع عن رأيه وتفنيد رأي خصمه. فمنهم من استعمل التأويل فأتقن وأجاد، واستغور النصوص فأحسن وأفاد. ومنهم من تمحل في التأويل وتكلف، وأطنب فيه وأسرف، وجاء ببهتان من القول وزورا.
وظل التأويل سوقه مزدهرة وتجارته نافقة، حتى ظهر رجل يدعى جار الله الزمخشري ولج التأويل من بابه الواسع، واتخذه سيفا لمقارعة الخصوم، ومطية لتحقيق الأهداف التي من أجلها كتب الكشاف, والمتمثلة في الدفاع عن معتقداته الاعتزالية, فازداد هذا السوق ازدهارا بولوج الزمخشري إليه، وازدادت تجارته نفاقا بنشر الكشاف فيه. 
لم يكن الزمخشري رحمه الله كغيره من المتأولين متطفلا على التأويل مدعيا له وإنما كان عالما متبحرا في أصناف العلوم، استكمل أدوات الاجتهاد وآلات التأويل. فإن أفتى فعن علم, وإن قال فعن فهم، وإن حاج أفحم، وإن خاصم أخصم، وجاء بما لم يأت به السابقون ولم يلحق إليه اللاحقون.
وإذا قلنا ما قلنا من شهادة في الرجل فإنما هو من باب الإنصاف, وهذا لا يعني أن كل ما قاله حق لا باطل معه، وصدق لا تكلف فيه، بل الرجل _كما سأثبت في معرض هذا البحث_ يؤول فيصيب ويأتي بما يبهر وما لم يسبق إليه، ويخطئ إلى درجة العمد والتقول على الوحي, ونعوذ بالله من زلة عالم.   
وقد ازدهر التأويل في عصر الزمخشري، خاصة بعد نشر الكشاف، وانبرى للرد عليه جماعة اشتغلوا بمناقشة الزمخشري فيما جاء به في كشافه من أفكار وتأويلات واجتهادات، وشطحات, حيث انقسموا إلى مؤيد ومعارض، ومحش وشارح، ومفصل ومختصر، ومحقق ومخرج، كل في مجال تخصصه؛ العقدي, أو الفقهي, أو النحوي, أو البلاغي، أو في مجالات؛ التفسير, أو الحديث, أو الشعر, أو غير ذلك.  
هذا وقد تأسس التأويل لدى جار الله الزمخشري ومن جاء بعده على ثلاث دعامات أساسية هي: علم النحو, وعلم البلاغة، وعلم اللغة, وصارت ثلاثيته: "الكشاف"، و"المفصل"، و"أساس البلاغة"، بمثابة إطار مرجعي للزمخشري في تأسيس مذهبه في التأويل, والتي سيفيد منه من جاء بعده من الدارسين والباحثين عبر الأجيال إلى يوم الناس هذا، وإلى ما شاء الله.
هذه الأسس الثلاثة ليست على درجة واحدة في الخطورة ذلك أن الرجل يعول كثيرا على توظيف النحو في التأويل أكثر من غيره من أدوات التأويل الأخرى كالبلاغة واللغة.
لذا فقد خصصت هذا البحث للمستوى النحوي في التأويل فقط؛ بيانا ووصفا ومناقشة. وأرجو أن يتيسر لي أو لمن يأتي بعدي من الباحثين استكمال دراسة باقي آلات التأويل لدى الزمخشري حتى تكتمل نظرية التأويل لدى الرجل وتنكشف وتجلو.
من هذا المنطلق جاءت إشكالية البحث وأطروحته.
2_ إشكالية البحث:
يتأسس البحث في جوهره حول إشكالية رئيسة في فكر الزمخشري ومنهجه، وتتلخص في السؤال عن مستويات توظيف النحو كآلية للقراءة والتأويل في تفسيره الكشاف. ويتفرع عن هذه الإشكالية المركزية مجموعة من الإشكالات الفرعية من قبيل:
. لماذا يوظف الزمخشري النحو كثيرا كآلية للقراءة والتأويل؟
. ما هي مستويات التوظيف النحوي في القراءة والتأويل لدى الزمخشري؟
. ماهي أبرز وظائف النحو التأويلية المستعملة من لدن الزمخشري؟
. هل لنحلة الرجل الاعتزالية تأثير على آرائه النحوية التأويلية؟
. هل للرجل مذهب في التأويل النحوي خاص به؟
وذلك في أفق رصد جل الوظائف التأويلية للآليات النحوية لتكون بمثابة قواعد تأويلية يمكن الاهتداء بها خلال عملية القراءة والتأويل.
لذلك جاء البحث معنونا كالتالي: "آليات التأويل النحوي ووظائفه لدى جار الله الزمخشري من خلال تفسيره الكشاف".
وسأحاول مقاربة هذه الإشكالية وفق خطة محددة تتوخى الموضوعية من خلال الارتباط بالنص المفسر وفسح المجال أمام آراء الزمخشري واجتهاداته، وعرضها عرضا وصفيا مرتبطا بالقاعدة النحوية كما وردت موظفة في النصوص الزمخشرية مبتعدا قدر المستطاع عن الاستغراق في الجانب المعياري الصوري إلا ما تبين لي أنه يخدم القضية التأويلية المدروسة. ساعيا في الآن نفسه إلى رصد الوظائف التأويلية للمسائل النحوية إن ذكرت من طرف الزمخشري أو وظفت, مناقشا أحيانا آراء الرجل واجتهاداته التأويلية، معتمدا في تلك المناقشة على آراء بعض النحاة والمفسرين السابقين والمعاصرين واللاحقين لعصر الزمخشري.
وذلك وفق ثلاثة خطوات أساسية:
الأولى: استقراء النصوص ووصف الظاهرة العلمية كما وردت في الكشاف.
والثانية: استنتاج القضايا العلمية والمتمثلة في الوظائف التأويلية للمسائل النحوية. والثالثة: مناقشة تلك الوظائف التأويلية المرصودة لدى الزمخشري. 
4_ سبب اختيار الموضوع:
ويرجع سبب اختياري لهذا الموضوع إلى عاملين أساسيين؛ الأول موضوعي والثاني ذاتي:
_العامل الموضوعي يتجلى في الأهمية القصوى التي أمست تحظى بها عملية القراءة والتأويل للنص الأدبي في الدراسات الأدبية العربية والعالمية. هذه العملية التي تقوم على آليات معرفية كثيرة ومتعددة, أهمها آلية النحو, باعتبارها أساس فهم النصوص الأدبية وتأويلها بصفة عامة, والنص القرآني المفسر بصفة خاصة.
وقد ارتأيت أن يكون المتن موضوع الدراسة هو تفسير الكشاف للزمخشري، نظرا لعدة اعتبارات، أهمها:
_ اعتبار الكشاف أهم تفسير وظف النحو كآلية للفهم والتأويل، حتى بات أهم المراجع في هذا الموضوع، لكل من أتى بعده من المفسرين والنحاة.
_ عد الزمخشري أحد كبار المفسرين والنحاة؛ فقبل أن يشتغل بتفسير القرآن الكريم صنف مجموعة من الكتب النحوية, أهمها "المفصل في صنعة الإعراب" والذي قام بتدريسه وشرحه ثلة من كبار النحويين وقد أحصىيت منها ثمانين شرحا.
فالرجل إذن نحوي بارز ومفسر لامع، صاحب مدرسة مميزة في التأويل, له منهجه الخاص وآراؤه المتفردة.
_والعامل الذاتي يتجلى في رغبتي الجامحة في ولوج عالم النص الأدبي الفسيح من باب النحو, باعتباره المدخل الأرحب, والسند الأقوى لطالب النص الأدبي قراءة وتأويلا.
وأما اشتغالي على النص المفسِّر للقرآن الكريم فراجع من جهة إلى عشقي الكبير لهذا التراث الذي يتميز بالضخامة والثراء والجمال، ومن جهة ثانية إلى قناعتي بأن هذا التراث لا يزال في أمس الحاجة إلى إعادة القراءة والنظر من جديد. خاصة على ضوء ما استجد من نظريات, ومناهج علمية, وأدبية حديثة, كفيلة ببيان مراد الله من كلامه.
من هنا يستمد هذا البحث قيمته العلمية أقصد من المتن موضوع الدراسة. وأما من حيث المضمون فيتجلى ذلك في أهداف البحث وانعكاساته ومنها:
_وضع لبنات أولية لتأسيس نظرية متكاملة حول الوظائف التأويلية للقضايا النحوية.
_ رصد معظم الوظائف التأويلية لمعظم مسائل النحو العربي.
_ بيان أهمية المستوى النحوي في قراءة النص الأدبي وتأويله.
من خلال ما سبق يتبين مدى فرادةِ الموضوع وخصوصيتِه.
خطة البحث:
ولمقاربة هذا البحث فقد ارتأيت تقسيمه إلى مقدمة ومدخل وثلاثة أبواب وخاتمة، بالإضافة إلى عدة فهارس. وقسمت هذه الأبواب إلى أحد عشر فصلا، تضم خمسة وأربعين مبحثا, جاءت موزعة كما يلي:
المدخل: خصصته لمقاربة مفهوم التأويل في اللغة، وفي القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكذا عند علماء التفسير, والسلف الصالح، مركزا على بيان مذهب الزمخشري في التأويل، وذلك عبر سبعة مباحث وختمت هذا المدخل باستنتاج استراتيجية الزمخشري في التأويل.
الباب الأول: خصصته للكلام عن الجملة عند الزمخشري من حيث مفهومها ووظائفها. وحصرت الكلام عنها في خمس جمل: الجملة الاسمية المكونة من المبتدأ والخبر، وهي التي تسمى عند الزمخشري بالجملة المجردة. والجملة المنسوخة بالفعل، والجملة المنسوخة بالحرف, كما يسميهما الزمخشري، وهما المسمتان بلغة المحدثين: كان وأخواتها، وإن وأخواتها. ثم الجملة الفعلية، والجملة الشرطية.
هذا التقسيم الذي اعتمدته لأنواع الجملة إنما جاء على أساس تأويلي وليس على أساس نحوي، نظرا لاعتبار هذه الجمل الأكثر استعمالا عند الزمخشري في كشافه من جهة، ومن جهة ثانية لما تثيره من مشكلات تأويلية. لذلك قسمت هذا الباب إلى خمسة فصول جاءت كما يلي:
الفصل الأول: الجملة المجردة ووظائفها التأويلية.
الفصل الثاني: الجملة الفعلية ووظائفها التأويلية.
الفصل الثالث: الجملة المنسوخة بالفعل ووظائفها التأويلية..
الفصل الرابع: الجملة المنسوخة بالحرف ووظائفها التأويلية.
الفصل الخامس: التركيب الشرطي ووظائفه التأويلية..
الباب الثاني: خصصته للعطف باعتباره مركبا لغويا يتألف من مكونين رئيسين هما المعطوف والمعطوف عليه، ونظرا لتنوع صور مجيئهما إفرادا وجمعا، إنشاء وخبرا، اسما وفعلا، فإن ذلك يثير إشكالات تأويلية متعددة تتنوع بتنوع تلك الصور. والزمخشري يفيد من هذا التنوع ويوظفه ببراعة في القراءة والتأويل والحجاج. لذلك قسمته إلى ثلاثة فصول جاءت كما يلي:
الفصل الأول: عطف النسق ووظائفه التأويلية.
الفصل الثاني: عطف البيان ووظائفه التأويلية.
الفصل الثالث: البدل ووظائفه التأويلية.
الباب الثالث: خصصته للكلام عن حروف المعاني، خاصة حروف العطف والجر، وأداة الترجي "لعل"، نظرا لاعتبارها من جهة الأكثر ورودا في الكشاف، ومن جهة ثانية لاعتبارها الأكثر إثارة للتأويل على الإطلاق في الكشاف؛ بسبب ما تزخر به من تعدد في المعنى، وتنوع في الدلالة. لذلك نجد الزمخشري يوظفها كثيرا في التأويل، ويسخر معانيها في الحجاج. وقد حصرت الكلام عنها في هذا الباب في رصد وظائفها التأويلية كما وردت في الكشاف، ومناقشة تلك التأويلات الزمخشرية على ضوء آراء السابقين للزمخشري واللاحقين له. لذلك قسمت هذا الباب إلى أربعة فصول جاءت كما يلي:
الفصل الأول: الوظائف التأويلية لحروف العطف.
الفصل الثاني: الوظائف التأويلية لحروف الجر.
الفصل الثالث: الوظائف التأويلية لأداة الترجي "لعــل".
وقد مهدت _عند الضرورة_ لبعض أبواب وفصول هذا البحث بتقديم خصصته لتأطير المسألة النحوية كما فهمها الزمخشري واستعملها في كتاباته خاصة كتابه "المفصل في صنعة الإعراب". ثم ذيلت جميع الفصول بخلاصات ذكرت فيها أهم النتائج العلمية المتوصل إليها.
المنهج المعتمد:
إن طبيعة هذا البحث وإشكاليته تفرضان علي انتهاج منهج كفيل بالاستجابة لمتطلبات الأطروحة، وهو المنهج الوصفي؛ باعتباره الآلية الأنجع لمقاربة هذا الموضوع؛ والمتمثلة في إقامة أركان الأطروحة الأساسية. وهي:
1_تحديد الإشكالية, كما بينتها فيما سبق والمتمثلة باختصار في الجواب عن السؤال: "كيف يؤول الزمخشري القرآن الكريم؟ ولم؟".
2_تحديد العينة المدروسة, والمتمثلة في تفسير "الكشاف" للزمخشري.
3_استقراء جميع التأويلات النحوية المذكورة في "الكشاف".
4_تصنيف النصوص وتبويبها وعنونتها.
5_استنتاج الظاهرة اللغوية موضوع الدراسة، والمتمثلة في رصد الوظائف التأويلية لمسائل النحو كما وظفها الزمخشري.
6_التدليل على مدى صحة الاستنتاجات المتوصل إليها, وذلك بسرد عدة شواهد من آراء الزمخشري خاصة تلك المذكورة في الكشاف, ومناقشتها ووضعها في ميزان آراء واجتهادات العلماء السابقين واللاحقين لعصره؛ تأثيرا وتأثرا، تأييدا ومعارضة.
7_استخلاص الحكم النهائي في شكل خلاصات.
هذه أهم الخطوات المنهجية المستمدة من روح المنهج الوصفي, والتي انتهجتها لمقاربة هذا الموضوع.
وقد حرصت أثناء هذه المقاربة على الارتباط ما أمكن بالنص المفسِّر, وفسح المجال أمام آراء الزمخشري وتأويلاته، وعرضها عرضا وصفيا, مرتبطا بالقاعدة النحوية كما وردت موظفة في نصوص الزمخشري, مبتعدا قدر المستطاع عن الاستغراق في الجانب المعياري الصوري.
_نتائج البحث العلمية:
في البداية مهدت لهذا البحث بمدخل تحدثت فيه عن مفهوم التأويل في الكتاب والسنة، وتطوره في الاستعمال عند سلف الأمة قدامى ومحدثين، وخلصت إلى القول بأن مفهوم التأويل لا يخرج عن أربعة معان:
1_التأويل بمعنى وقوع الخبر وتحققه.
2_التأويل فعل المطلوب من المكلف إن كان طلبا؛ أمرا أو نهيا.
3_التأويل بمعنى التفسير.
4_التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى خفي مرجوح لقرينة تدل عليه. وهذا المعنى الرابع هو المعنى الذي جاء به المحدثون من السلف ووظفوه في بيان مراد الله من كلامه، وهنا سيفترق مفهوم التفسير عن مفهوم التأويل وسيترتب عن ذلك خلافات ونقاشات. 
ثم وقفت على مفهوم التأويل عند الزمخشري وخلصت إلى بيان استراتيجية الرجل فيه.
وهي الاستراتيجية التي سيعتمدها جار الله في قراءة الوحي وفهمه وتأويله واستنباط مراد الله من كلامه. لذلك لاحظنا أن الرجل يتوسع كثيرا في توظيف قضايا النحو لأغراض تأويلية، وقد نجم عن ذلك غنى في المعاني وتعدد في القراءات.
ويوظف الزمخشري النحو وفق هذه الاستراتيجية على ثلاثة مستويات، بعضها أخطر من بعض، كما يلي:
مستوى التفنن الإعرابي: وذلك حينما يتعلق الأمر بتوظيف قضايا النحو في تفجير المعاني الدلالية لبيان مراد الله تعالى من كلامه، وتخريجه على أكثر من وجه إعرابي، ومصاديق ذلك كثيرة في الكشاف كثرة كاثرة.
لكن الاختلاف وتعدد التأويل لا يقف دائما عند هذا الحد، بل يرتقي أحيانا إلى خلاف تشريعي بين المذاهب الفقهية. كما هو الحال في المستوى الموالي.
مستوى التأويل الفقهي التشريعي: وهو التأويل المبني لدى الزمخشري على بسط الاختلافات بين المذاهب الفقهية حول مسائل تشريعية ليست محل إجماع, حيث ينبري الزمخشري كعادته إما للدفاع عن هذا الرأي أو ذاك، أو للتوفيق بينها، أو لتشييد رأي فقهي خاص به، وأمثلة هذه القضايا كثيرة في الكشاف. إلا أن هذا المستوى من الاختلاف في التأويل سيعرف تطورا خطيرا حينما سيطال القضايا العقدية, كما في المستوى الموالي.
مستوى التأويل العقدي: في هذا المستوى يعمد الزمخشري إلى توظيف النحو مرة أخرى دفاعا عن قناعاته العقدية، ونصرة لطائفته الاعتزالية.
لذلك نجده أحيانا يتعسف في تأويل الكثير من الآيات، ويقولها ما لم تقل، ويحملها أكثر مما تحتمل، كما فعل لدى دفاعه عن اعتقادهم باستحالة رؤية الله تعالى في الجنة، حيث عمد إلى صرف دلالة بعض الآيات الصريحة في إثبات الرؤية إلى نفيها اتكاءا على دلالة "لن" على النفي في الحال والاستقبال في زعمه, وهو ما لم يسلم له به أهل السنة.
كما نفى بعض الصفات جملة لله تعالى وتأولها تأويلا مجازيا, حيث نفى خلق الضلال والهداية لله تعالى وتأولهما بالتوفيق. كما ألزم الباري تعالى بمكافأة المحسن بالجنة ومعاقبة المسيء بالنار, كما أوجب على الله تعالى جملة أمور للعباد كالزرق والتوبة والهداية والنشأة الثانية والحساب وقد سمى هذا النوع من الوجوب بالوجوب في الحكمة.  
وأمثال هذه القضايا كثيرة عند الرجل، وهو يتكئ دائما في إثبات ذلك على آليات نحوية صرفة.
وقد ثبت من خلال الاستقراء والتتبع مدى هيمنة النحلة الكلامية على تأويلات الزمخشري النحوية؛ إذ لا يختلف اثنان ولا يتناطح عنزان حول التوجه الاعتزالي للرجل؛ بل يعد قطبا من أقطاب المعتزلة ورأسا من رؤوسها, ثم إن تأليفه للكشاف إنما جاء استجابة لطلب رفاقه في العقيدة، وهو ما نص عليه صراحة في مقدمة الكشاف، الذي كرسه للدفاع عن أصول مذهبه الاعتزالي، وتنزيل هذه الأصول على مجمل قضايا اللغة والتشريع والاعتقاد. وهو ما حاولت رصده في هذا البحث من خلال ما أوردته من تأويلات الرجل.
لذا فالزمخشري لم يجد أحسن من النحو سندا ومتكأ للدفاع عن اعتزالياته، وللالتفاف أحيانا على دلالات النص الصريحة.
هذا التمحل من الرجل في التأويل ليس حالة شاذة أو استثنائية وإنما هو توجه مبدئي وخيار استراتيجي في التأويل لديه نظرا لشيوعه وذيوعه في الكشاف. غفر الله لنا وله ورحمنا.
لذا فقد بلور الزمخشري مذهبا نحويا خاصا به؛ فهو أحد كبار النحاة البصريين، ترك إرثا نحويا ضخما يتألف من عدة تصانيف تحدثنا عنها في سياقها من هذا البحث.
وقد كان في كل هذه التصانيف بصري التوجه، وفيا لأستاذه سيبويه، لكن آراءه وتأويلاته النحوية ستأخذ منحى جديدا في كشافه أساسه محاولة وضع اللبنات الأولى لمذهب نحوي جديد لا يتقيد باتجاه ولا يتعصب لمذهب؛ لذلك نجده أحيانا لا يتردد في الأخذ بآراء الكوفيين، وإن كان بصريا بامتياز، وقد يبدع أحيانا أخرى رأيا نحويا جديدا خاصا به.
وسيتبلور هذا المذهب النحوي لدى جار الله بشكل جلي خلال القرون الموالية لوفاته نظرا لما عرفه علم الرجل ونحوه من انتشار وإقبال وجدل. وقد لمست ذلك من خلال المصادر والمراجع المعتمدة في هذا البحث, فجل كتب التفسير التي جاءت بعده عالة عليه، اقتباسا واستشهادا؛ مقلدة أو معارضة. ومنهم من اكتفى بتلخيص تفسيره أو التحشية عليه, كما فعل غير واحد منهم.
كما خلصنا إلى أن الزمخشري يسخر مسائل النحو وفق وظائف تأويلية متعددة، أحصيت منها العشرات، خاصة ما تعلق منها بحروف المعاني. وهو الميدان الأرحب للزمخشري في التأويل، حيث يظهر الرجل مقدرة عالية في توظيف هذه الحروف في بيان مراد الله تعالى من كلامه مما يخدم أحيانا توجهه الاعتزالي.
هذا الغنى والثراء في الوظائف التأويلية لبعض مسائل النحو التي رصدناها في هذا البحث يكشف لنا بوضوح جنوح الزمخشري نحو التأويل وجموحه فيه, وذلك رغبة منه في الحجاج دفاعا عن معتقداته الاعتزالية. كما ينبغي ألا ننكر أيضا إسهامات الرجل الجليلة في الدرس النحوي والتأويلي في عصره, وأثره البين فيمن جاء بعده من النحاة والمفسرين والمشتغلين بحقول القراءة والتأويل معجما وبلاغة ونحوا وهلم جرا. رحم الله الزمخشري وجزاه خيرا ونفعنا بعلمه آمين. والحمد لله رب العالمين.




ضع تعليقك هنا
الإبتسامات إخفاء