تقرير مناقشة أطروحة دكتوراه: أصول تدبير الاختلاف في القرآن الكريم "دراسة تأصيلية تحليلية" - محمد الصادقي العماري





نوقشت يوم الاثنين 27 يونيو 2016 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية فاس سايس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله- المملكة المغربية، أطروحة جامعية لنيل درجة الدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية، بعنوان: "أصول تدبير الاختلاف في القرآن الكريم: دراسة تأصيلية تحليلية"، للطالب الباحث محمد الصادقي العماري.
وقد تكونت لجنة المناقشة من السادة أهل العلم والفكر:


* الدكتور إدريس الشرقي رئيسا، 
*والدكتور عبد العظيم صغيري عضوا،
* والدكتور شاكر السحمودي  عضوا، 
*و الدكتور محماد رفيع مشرفا ومقررا.
وبعد المناقشة، انتهت مداولات اللجنة العلمية إلى منح الطالب الباحث محمد الصادقي العماري درجة الدكتوراه في تخصص العقيدة والفكر الإسلامي، بميزة مشرف جدا.
وفيما يلي التقرير الذي تقدم به الطالب أمام لجنة المناقشة:
الحمد لله الذي تفرد بالوحدانية، وجعل الخلق مختلفين في الآراء والأفكار، والألسنة والألوان ..، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم، الذي بعثه الله تعالى برسالة الوحدة والألفة والاجتماع، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إن القرآن الكريم هو الحاكم الأول، والضابط للعلاقة بين أهل القرآن والمخالفين لهم في الدين والفكر والثقافة والحضارة ..، فهو أساس هذه العلاقة، وهو القادر –بوصفه خطابا عاما للإنسانية- على إعادة صياغة هذه العلاقة وبنائها على أصولها وضوابطها الصحيحة، وإزالة ما علق بها من فهوم خاطئة، انعكست سلبا على العلاقة بالموافق قبل المخالف.   
والقرآن الكريم يشير في آيات كثيرة إلى أنه هو المرجع في الحكم بين الناس يقول تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾(المائدة:48)، وأنه كتاب بيان للاختلاف: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾(النحل:64)، وموجها الخطاب للمخالف بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾(النمل:76).
والقرآن شريعة فهم الاختلاف وتدبيره، فإن البشرية اليوم مطالبة بسماع خطاب القرآن، خطاب فهم الاختلاف وتدبيره، هذا الخطاب الذي يؤمن بالاختلاف، ويؤسس لمشروعيته، ويجعله آلية من آليات الإنتاج والعطاء الفكري والثقافي، ويدعو إلى تقنينه وتدبيره وفقه فلسفته.
فبذلك كانت شريعة القرآن شريعة لكل الناس، على اختلاف معتقداتهم وألوانهم وأعراقهم ..، لذلك ينبغي تطبيق هذه الشريعة والإيمان بها، ليعم الوفاق، وتسود الألفة المجتمع الإنساني، وينعم الجميع في ظلها بالأمن والسلم والكرامة والعدل والحرية ..
وما دامت شريعة القرآن محاربة وممنوعة من حقها في إعطاء جوابها الإنساني والحضاري، فإن العالم لن يجد العلاج[1] لهذه النزاعات والاختلافات والحروب المدمرة للإنسان والعمران، لأن القرآن الكريم يهدف إلى عالم تسوده الأخوة الإنسانية، بناء على نظام دولي يقوم على أساس الألفة والموافقة، ولإثبات صحة هذا الادعاء، على أهل القرآن أن يقيموا شريعته في نفوسهم، وفي حدود أقاليمهم، لننتقل من التنظير القرآني، إلى الممارسة العملية المؤثرة.
فقد أسيئ فهم الاختلاف في عالمنا المعاصر، وأصبح للاختلاف معنى الصراع والصدام ..، وظهر على الساحة باحثون ومنظرون لهذا الاتجاه، سواء من المسلمين، أو من غيرهم، وانتشر هذا الفكر وزكاه الإعلام، فتعددت الجهات الداعية إلى الفرقة والنزاع والصراع بين المذاهب والطوائف والفرق الإسلامية، وبينها وبين المخالف الديني والحضاري.
لذلك جاءت هذه الدراسة، في ظل هذا الوضع المشحون بالنزاعات والصراعات، معتمدة على القرآن الكريم بالقصد الأصلي، وعلى غيره من مصادر التشريع بالقصد التبعي، لتصحيح الرؤية إلى الخلاف والمخالف، وذلك من خلال طرح رؤية منهجية تأصيلية تقعيدية، نبرز من خلالها نظرية القرآن للاختلاف وتدبيره.
أولا: إشكال الدراسة وتساؤلاتها:
فإذا كان لكل بحث إشكال علمي ينبني عليه، فإن هذه الدراسة تقوم على إشكال الاضطراب القائم في فقه الاختلاف، وتدبيره، والاعتقاد أن الاختلاف كله شر، وصراع وصدام ..، وأن المخالف في الرأي والمعتقد ..، يجب رفضه وإقصاؤه، بل واستئصاله، فكيف يمكن تدبير الاختلاف وبناء الائتلاف الداخلي-بين المسلمين- والخارجي- بين المسلمين وغيرهم- وسط هذا الاضطراب الحاصل في فهم حقيقة الاختلاف وتدبيره؟. 
ولذلك جاء هذا البحث لمعالجة قضية مهمة من قضايا الأمة، في علاقتها مع الذات وعلاقتها مع الآخر، وبالأخص في وقتنا الحاضر الذي ظهرت فيه مجموعة من ردود الفعل، التي تجاوزت النقاش العلمي إلى التراشق بالتهم، والسبب في ذلك عدم فقه الاختلاف، المؤسس على أصول وضوابط علمية، عاصمة من الفرقة والنزاع، مساعدة على الوحدة والائتلاف، لأن الإشكال ليس في الاختلاف الذي هو سنة من سنن الله تعالى في خلقه، وآية من آياته، بل يكمن الإشكال في تدبيره وإدارته، وحسن تسييره، وتوجيهه، وكيفية احتوائه بما يخدم الوفاق والائتلاف الإنساني، ومدى إتقان طرائق التعامل معه، ليكون الاختلاف إيجابيا لا سلبيا. 
ويمكن تفكيك هذا الإشكال إلى تساؤلات مركزية يمكن إجمالها في الآتي:
التساؤل الأول: النظر إلى الاختلاف من منظور علمائنا القدامى في كتب التفسير، والفقه وأصوله، والجدل والمناظرة، والملل والنحل والمقالات والسياسة الشرعية، والعلاقات الدولية..، نظرة من موقع إسلام منتصر، حيث كانت الحضارة الإسلامية حينها متفوقة وقوية، فاجتهد علماؤنا في ظل هذا الواقع، لكن هل ما أثله مفكرو الإسلام في تراثنا يخدم هذه المرحلة الزمنية في عالمنا الإسلامي؟، أم ينبغي الرجوع إلى مصادر الإسلام الأصلية(الوحي)، وإعادة القراءة والاجتهاد على ضوئها؟، وإلا فما الحل في عالمنا المعاصر، حيث الدول العربية والإسلامية تحت هيمنة المخالف؟.
التساؤل الثاني: هل يمكننا نحن المسلمون في عصرنا الحاضر أن ندعو إلى ثقافة تدبير الاختلاف، وبناء الائتلاف؟.
التساؤل الثالث: هل يمكننا أن نجد في المصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي -القرآن الكريم- سندا لإرساء ثقافة تدبير الاختلاف مع الآخر الموافق أو المخالف؟.
التساؤل الرابع: هل يمكن أن نجد في القرآن الكريم ما يصحح الأخطاء التي وقع فيها المسلمون -على مستوى التنظير والممارسة- في معالجة اختلافاتهم الداخلية أو الخارجية؟، وتظهر معالم هذا التساؤل في كثرة الأقوال والادعاءات المتناقضة حول "حقيقة الاختلاف الإنساني”، دينيا  وفكريا وثقافيا وحضاريا ..:
فمن الناس من قال: إذا كان الاختلاف رحمة، فإن الاتفاق والائتلاف سخط وعذاب،
ومنهم من قال: إن الاختلاف كله سخط وعذاب، وفرقة وضياع للوحدة والائتلاف،
ومنهم من اتهم المخالف المسلم في دينه، وجعل كل مخالف في الرأي الفقهي أو الفكري خارج عن الدين، فلم يميز بين دائرة القطعيات، ودائرة الظنيات، بين دائرة الكفر والإيمان، ودائرة الصواب والخطأ،
ومنهم من تطرف في فهم حقيقة الاختلاف، وادعى: أن سبب تخلف وانحطاط المسلمين هو تعدد المذاهب الفقهية، والمدارس الفكرية، واختلاف الاجتهادات داخلها،
ومنهم من قال بقتل المخالف واستئصاله، إذا كان مخالفا في الدين والاعتقاد، وأصحاب هذا الرأي لم يميزوا بين المخالف المعتدي، وغير المعتدي، رافضين لكليات القرآن المقاصدية، الداعية إلى التعاون والتعارف والعدل والقسط .. مع المخالف، إذا لم يكن معتديا، ملتزما بالعهود والمواثيق، ومعاملته بالمثل قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾(التوبة:7).
فهذه الادعاءات، وغيرها، والتي يصعب حصرها، تمثل إشكالا حقيقيا في فهم "حقيقة الاختلاف وتدبيره"، وتدل على سوء الفهم، والاستيعاب الصحيح للنظر الشرعي في التعامل مع الاختلاف.
التساؤل الخامس: هل في القرآن الكريم ما يفند الدعاوى والمزاعم القائلة بأن الإسلام ينفي الآخر، ويرفضه، وأنه لا يشتمل إلا على الدعوة للقتال؟.
التساؤل السادس: هل في هذا المصدر ما يؤسس للسلم العالمي، ويدعو الإنسانية ل"مذهب ابن آدم الأول"؟.
التساؤل السابع: هل تستطيع كليات القرآن ومقاصده العليا استيعاب ما جد في عالم الناس على مستوى تدبير العلاقات الإنسانية محليا وعالميا؟   

إن السؤال المركزي الذي تتمحور حوله الدراسة هو : إننا ونحن ندعو اليوم إلى إرساء الحق في الاختلاف ومشروعيته،كحق من حقوق الإنسان والدعوة إلى المشترك بين بني الإسلام وبني الإنسان ، و الدعوة إلى تدبير الاختلاف وإدارته بحكمة ، تحقيقا لمصالحه، ودفعا لمفاسده ،وتجاوزا لعوائقه وآفاته،لإيقاعه في واقع الناس وفق قصد الله التشريعي .
فإلى أي حد نستطيع أن نجد في نصوصنا التأسيسية –الوحي-، ومقاصدها الكلية، سندا لهذه الدعوى؟
وبناء على هذه الإشكالات العلمية السابقة، فإن قصد هذه الدراسة هو وضع نظرية متكاملة لقضية تدبير الاختلاف في الخطاب القرآني.
وهذه الرؤية تتوخى وضع أصول كلية عامة، تشكل الأرضية الوفاقية الجامعة والمؤلفة، ومن خلال هاته الرؤية يكون قصد هذه الدراسة الإجمالي هو:
"فقه الاختلاف وتدبيره وفهم حقيقته، من أجل بناء الائتلاف والوفاق في المجتمع الإنساني، من خلال الخطاب القرآني".
ثانيا : الدراسات السابقة :
لم أجد –فيما اطلعت عليه- دراسة مباشرة في الموضوع، تعالج إشكال تدبير الاختلاف في القرآن الكريم، وكل ما وقفت عليه من دراسات جامعية أكاديمية، أو كتب ومؤلفات، أو ودراسات ومقالات .. في الموضوع، فإن الأمر لا يخلو:
إما أنها كتابات فكرية، وليست أصولية مقاصدية، مثل كتابات الدكتور طه عبد الرحمن، التي اعتنت بنقد نظريات الآخر-الفلسفة الغربية-، بطريقة جدلية، وإثبات نجاعة المقترح الإسلامي الإيماني والأخلاقي، على مقترح الواقع الكوني، الذي نعته ب"الوقاحة الإنكارية"، كما اهتم بالتأسيس للحوار القيمي والأخلاقي مع الآخر، واعتنى بإثبات الحق العربي والإسلامي في الاختلاف الفكري والفلسفي.
أو الدكتور محمد عمارة الذي تعرض بالنقد والتصحيح للشبهات التي يثيرها الآخر، ومقارناته بين منهج الإسلام والمناهج الأخرى، سواء المتعلقة بالشرائع السماوية أو الوضعية، في الاعتراف بالمخالف، وإدارة الاختلاف معه، وما يتعلق بموضوع الأقليات في المجتمع الإسلامي، كما اعتنى بالوحدة والاختلاف والتعددية في إطار الجوامع، كما تعرض بالنقد  لنظرية الصراع الغربية، وغيرهما من الكتاب، الذين كتبوا في موضوع "شرعية الاختلاف" في الفكر الإسلامي. 
وإما أنها عالجت الاختلاف في جانبه الفقهي والأصولي في التراث الإسلامي ..، مثل الكتابات التي عنيت بتعريف الاختلاف وأنواعه: المحمود والمذموم والسائغ، وناقشت "حديث الافتراق"، و"حديث الاختلاف رحمة" ..، وتعرضت لتاريخ الخلاف: في العهد النبوي وعهد الصحابة ..، وخلاف المذاهب الفقهية، وآدابه وحلول إشكالاته العلمية، وأسبابه، أو ضوابط الجدل والمناظرة ..
وإما أنها تناولت جزء من الموضوع، ولم تتناول موضوع تدبير الاختلاف بالشكل الذي تناوله به الباحث في هذه الدراسة، مثل الكتابات التي عالجت مواضيع الحوار والجدل، والسلم، والحرب، والتسامح، .. مع الآخر في القرآن الكريم، وغيرها من الدراسات التي عنيت بالدراسة الموضوعية.
باستثناء كتابات الدكتور محماد رفيع[2]، فهي تعتبر أقرب ما كتب في الموضوع لهذه الدراسة، بل تعتبر كتابات الدكتور حفظه الله في الموضوع هي المرجعية الفكرية التي استقى منها الباحث إشكال هذه الدراسة، وهي التي فتحت للباحث آفاق البحث في الموضوع.
وعلى رأسها كتابه: "النظر الشرعي في بناء الائتلاف وتدبير الاختلاف: دراسة تأصيلية تحليلية"، وإن كانت هذه الدراسة تتفق مع الكتاب الآنف الذكر –أو غيره من كتابات الدكتور- في كونها دراسة تأصيلية تحليلية، وفي توجهها العام نحو تدبير الاختلاف، والبحث عن المشترك، إلا أنهما يختلفان في الآتي:
- هذه الدراسة تنطلق من القرآن الكريم، بالقصد الأصلي، ومن كلياته المقاصدية، أما الدراسة السابقة فتنطلق من النظر الشرعي عموما.
- الدراسة السابقة يؤطرها المؤلف برؤية النظر التكويني والنظر التشريعي، عكس هذه الدراسة التي تنطلق من الرؤية التشريعية ابتداء.
- الدراسة السابقة ركزت على النظر الأصولي في صياغة عناوينها، ومواضيعها، ومباحثها، عكس هذه الدراسة التي اعتمدت الرؤية الأصولية في التحليل والدراسة فقط.
- الدراسة السابقة اعتمدت المنهج الجدلي في تدبير الاختلاف، في سياق الدرس الأصولي، عكس هذه الدراسة التي عمدت إلى الاجتهاد في استنباط أصول الحوار والجدل بالتي هي أحسن، وتصنيفها، كما يعرضها القرآن الكريم، في سياق مجادلة المخالف عموما.
ثالثا: منهج الدراسة:
ولتجلية منهج الدراسة يفرض المنهج الوقوف على نوعية المصادر المعتمدة في جمع المادة العلمية، والمناهج المتبعة في بناء الدراسة، وصياغة مباحثها. 
1- مصادر ومراجع البحث:
اعتمد في الدراسة على المصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي: القرآن الكريم، لأنه هو منطلق الدراسة، فكان منهج التعامل مع النص القرآني على الشكل التالي:
- جمع الآيات المتعلقة بموضوع الاختلاف وتدبيره عموما.
- تصنيف هذه الآيات تصنيفا موضوعيا بما يناسب مباحث الدراسة.
- تحليل ودراسة هذه الآيات والربط بينها، واستنباط النتائج المتعلقة بمباحث الدراسة.
- الاقتصار في الاستشهاد والاستدلال على الآيات القرآنية ذات الدلالة المباشرة، والإحالة على الآيات الأخرى في الهامش.
- الحرص على أن يكون منطلق الدراسة، وصياغة مباحثها وعناصرها، هو الآيات القرآنية.
- اعتماد مسلك "الافتقار" في الأخذ من الأدلة الشرعية، والاستشهاد بها، لا مسلك "الاستظهار" وتقصيد الشارع، كما ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله، وهذا مسلك علماء الأصول في تعظيم حرمة النصوص، فلا يثبت عندهم لشيء قرار حتى تنتصب أدلته، وتصح براهينه. 
أما مصادر السنة والأحاديث النبوية، فكان الاعتماد أكثر على كتب الصحاح، مع الرجوع فيما سوى ذلك إلى المصادر الأصلية من كتب السنة، كما عزوت كل حديث إلى مصدره، مع التخريج، وحذفت الأسانيد طلبا للاختصار، واقتصرت على متن الحديث، أو مقطع منه فيما يخدم المعنى مباشرة، حفاظا على متابعة التحليل، وسهولة عرض الأفكار.
كما حرصت في الدراسة على الاستفادة من المصادر الأصلية، التي اهتمت بالقرآن الكريم في مختلف جوانبه، وعلى رأسها كتب التفسير، وكتب الأصول والمقاصد، وكتب الجدل والمناظرة ..
 حيث اهتمت الدراسة بمختلف اتجاهات علماء التفسير، وخصوصا  منهم علماء القرون العشرة الأولى: تفسير عبد الرزاق(ت:211ه)، والطبري(ت:310هـ)، والبغوي(ت:510ه)، والزمخشري(ت:538هـ)، ابن العربي(ت:543ه)، وابن الجوزي(ت:597ه)، والقرطبي(ت:671هـ)، وأبي حيان(ت:745ه)، وابن كثير(ت:774هـ)، والبقاعي(885ه)، والسيوطي(ت:911هـ) ..
واستعانت كذلك ببعض كتب الشيعة ومن علمائهم: الطباطبائي(ت:1413ه)، ومحمد حسين فضل الله(ت:2010م)، وبعض تفاسير المتأخرة والمعاصرة: تفسير رشيد رضا(ت:1354هـ)، وسيد قطب(1387ه)، وابن عاشور(ت:1393ه) ..، وغيرها من التفاسير المعاصر.
كما ركزت هذه الدراسة على كتب الأصول والمقاصد، وكتب الجدل، ومن علماء هذا الفن: الباجي(ت:474ه)، الجويني(ت:478هـ)، والغزالي(ت:505ه)، والعز بن عبد السلام(ت:660هـ)، وابن تيمية(ت:728هـ)، وابن القيم(ت:751هـ)، والشاطبي(ت:790هـ)، ابن عاشور(ت:1393ه)، علال الفاسي(ت:1974م) ..
وإن كانت الدراسة ركزت أكثر على مؤلفات التفسير، ومؤلفات أصول الفقه والمقاصد، ومؤلفات الجدل والمناظرة، إلا أن الباحث استفاد كذلك من مؤلفات الفكر، والفلسفة، والمنطق وعلم الكلام، ومؤلفات الملل والنحل ..، قديمها وحديثها، لأن طبيعة الموضوع تفرض الانفتاح على كل العلوم والمعارف، حسب ما يسمح به سياق التحليل والدراسة، زيادة على أن النص القرآني هو منطلق كل هذه العلوم والمعارف.    
2- منهج البحث:
إن طبيعة الموضوع تقتضي سلوك أكثر من منهج، لذلك اعتمد الباحث في هذه الدراسة المناهج التالية:
أولا: المنهج الاستقرائي: وهو"تتبع الجزئيات كلها أو بعضها للوصول إلى حكم عام يشملها جميعا. أو هو انتقال الفكر من الحكم على الجزئي إلى الحكم على الكلي الذي يدخل الجزئي تحته". وهذا المنهج مكن الباحث من تتبع الآيات التفصيلية الجزئية الواردة في الموضوع، والاستدلال بها على أصل كلي عام، وهي الكليات المعبر عنها في الدراسة ب"أصول تدبير الاختلاف".
ثانيا: المنهج الوصفي: ويقوم هذا المنهج على تقديم  المادة العلمية كما هي، فهو يصف المادة العلمية كما أو كيفا، أو هما معا، بطريقة منهجية، من غير تعليل ولا تفسير .. ، وقد استفاد الباحث من هذا المنهج في تقديم المادة العلمية، كما هي في واقع الأمر.
ثالثا: المنهج التحليلي الاستنباطي: وهو المنهج الذي يعتمد على قراءة النصوص، وتفكيك وتفسير عناصرها ومكوناتها، ثم استنباط أصل أو قاعدة كلية منها، وساعد هذا المنهج الباحث على الاجتهاد في استنباط أصول تدبير الاختلاف في القرآن الكريم، بعد تحليل النصوص القرآنية، وتفكيكها، وتركيب عناصرها، والاستنباط منها.
وسيكون المنهج في هذه الدراسة قائما على التركيز على المبادئ العامة التي تحكم قضايا الدراسة، دون الخوض في التفاصيل والجزئيات، إلا بالقدر الذي يبين هذه المبادئ ويوضحها ويؤصلها، معتمدين على الكتاب الكريم، والسنة النبوية الثابتة، وعلى الإجماع .. وغيرها من مصادر الاستنباط، وما يناسب عصرنا من اجتهادات ذات سابقة نيرة، مستخدمين في هذا البحث: "فقه الميزان القرآني".
وحاولت أن لا أنساق وراء مزلق الفكر الدفاعي، عند عرض عناصر الدراسة، وأبحاثها، وتحليل مضامينها، ولم أتبوأ موقف من يرد التهمة بعاطفة، أو يتصرف لرد الفعل، حتى لا يأسر الباحث حركة الدراسة، ويفسح لها المجال لتصل إلى نتائج حقيقية لمفهوم تدبير الاختلاف وأصوله في القرآن الكريم، جاعلا القرآن قاعدة للاجتهاد.
رابعا: خطة الدراسة وتقسيماتها المنهجية:
تضمنت هذه الدراسة مقدمة، ومدخل تمهيدي، وثلاثة فصول، وخاتمة، وتوصيات على النحو التالي:
المقدمة: وتضمنت: أهمية الدراسة ودواعيها(أولا)، وبيان إشكالها(ثانيا)، والدراسات السابقة في الموضوع(رابعا)، ومنهج الدراسة(خامسا)، وخطة الدراسة وتقسيماتها المنهجية(سادسا)، وأخيرا أهم الصعوبات التي اعترضت الباحث(سابعا).
المدخل العام للدراسة: تدبير الاختلاف: دراسة في المفهوم والسياق القرآني: وقسمته إلى قضيتين: القضية الأولى: الاختلاف وتدبيره: دراسة في المفهوم: وتناولت فيها: مفهوم الاختلاف(1) ومفهوم التدبير(2)، والمقصود بأصول تدبير الاختلاف في الدراسة(3)، والقضية الثانية: تناولت فيها: الاختلاف في السياق القرآني(ثانيا): سياق الاختلاف الطبيعي والإنساني(1)، وسياق الاختلاف التكويني والتشريعي(2)، وسياق الاختلاف المذموم والمحمود(3)، سياق الاختلاف في إطار الجوامع(4).
الفصل الأول: أصول تدبير الاختلاف الاعتقادية: عالجت فيه الأصول الإيمانية، أو المشتركات العقدية، التي أمر القرآن الكريم بإقامتها والاجتماع عليها، ونهى عن التفرق فيها، وجاء بها كل الأنبياء والرسل، وهي: أصل الإيمان بالله وتوحيده(المبحث الأول)، أصل الإيمان بالأنبياء والرسل(المبحث الثاني)، وأصل الإيمان بالمصير والمآل الأخروي(المبحث الثالث)، معتمدا على استقراء الآيات القرآنية الدالة على معالم هذه الأصول الكلية، وتحليلها ومناقشتها بما يجلي دورها في تدبير الاختلاف الديني والإنساني عموما.
الفصل الثاني: أصول تدبير الاختلاف التشريعية: اشتمل هذا الفصل على الأصول التشريعية العملية، التي تمثل القواعد القرآنية الكبرى، والمقاصد الكلية لشريعة القرآن، التي أمر بتنزيلها وتطبيقها لإدارة الاختلاف ومعالجته، والوقاية من سلبياته، وهي أصول كما تخدم الاختلاف الداخلي -بين المسلمين-، تخدم الاختلاف الخارجي- بين المسلمين وغيرهم، وهذه الأصول هي: أصل إقامة السلم وترك الحرب(المبحث الأول)، وأصل إقامة العدل ونفي الظلم(المبحث الثاني)، وأصل إقامة التعاون الإنساني(المبحث الثالث)، وأصل إقامة الصلح وترك الخصام(المبحث الرابع)، وأصل إقامة الشورى وترك الاستبداد(المبحث الخامس)، وأصل الالتزام بالعهود والمواثيق(المبحث السادس)، وأصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(المبحث السابع).
الفصل الثالث: أصول تدبير الاختلاف المنهجية: فإذا كان الفصل الأول يعالج الأصول التصورية، والفصل الثاني قد تناول الأصول العملية، فإن هذا الفصل جاء لدراسة الأصول المنهجية لتدبير الاختلاف، والتي تعنى بالحوار والجدل بالتي هي أحسن، وقسمها الباحث إلى: أصول تدبير الاختلاف المنهجية الكلية(المبحث الأول)، وأصول تدبير الاختلاف المنهجية التفصيلية(المبحث الثاني)، حاول الباحث من خلالها استقراء الأصول القرآنية لمنهج الجدل بالتي هي أحسن، ودراستها وتحليلها، مستفيدا في ذلك من تراث علم الأصول والجدل والمناظرة الذي أثله علماؤنا رحمهم الله.
الخاتمة: ذكرت فيها أهم الخلاصات والنتائج التي توصلت إليها.
التوصيات:  وحصرتها في توصيتين علميتين، تبرزان آفاق البحث المستقبلية.
الفهارس : وأنهيت الدراسة بفهرس الآيات القرآنية،والأحاديث النبوية،وفهرس المصادر والمراجع،وأخيرا فهرس الموضوعات.
سبحان الذي تتم بنعمته الصالحات



[1]- وقد يعترض على هذا الموقف، بالقول أننا ندعي امتلاك الحقيقة كاملة، ونقصي ونرفض المنجز الإنساني، والجواب: أنها ليست دعوى بدون دليل، بل هي حقيقة تقوم على أن الشرائع قبل شريعة القرآن كانت غايتها ومقصدها الإصلاح للإنسان، وتنظيم علاقته بالله وبأخيه الإنسان وبالكون، أما شريعة القرآن الكريم فهذا ما سنبرهن عليه من خلال هذه الدراسة، ويكفي هنا الإشارة إلى أن شريعة القرآن كانت أول من دعا إلى الائتلاف بخطابها العالمي العام للمجتمع الإنساني، تأمل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾(الفرقان:1)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء:107) ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾(القلم:52)، وشريعة القرآن جعلت الاختلاف لقصد التعارف الإنساني: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾(الحجرات:13)، وقال صلى الله عليه وسلم: ".. وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه،(صحيح البخاري)، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط/1، (1422هـ)، كتاب التيمم، رقم: 335، 1/ 74.
[2]- وكتاباته في الموضوع هي: النظر الشرعي في بناء الائتلاف وتدبير الاختلاف: دراسة تأصيلية تحليلية، محماد رفيع، دار السلام، القاهرة، ط/1، (1433ه/2012م). منهج القرآن في بناء المشترك الإنساني، محماد رفيع، مجلة إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، (العدد:66)،(2001م). ضوابط تدبير الاختلاف مع الآخر في أصول التراث الإسلامي، محماد رفيع، مجلة إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، (العدد:52)، (1429ه/2008م). الجدل والمناظرة: أصول وضوابط، محماد رفيع، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، ط/1، (1430ه/2009م). 

محمد الصادقي العماري


ضع تعليقك هنا
الإبتسامات إخفاء