مقالات الرأي | لا يلدغ المرء من الجحر مرتين !! (بيت الشعر) بقلم : د. ياسين حميد حزكر


لا يلدغ المرء من الجحر مرتين !!

                                                          بقلم : د. ياسين حميد حزكر

    مشروع الشارقة الثقافي منذ كان طفلا ومذ كنتُ، قبل عشرين عاما، لم يكن يحمل نزغة سياسية أو نزعة أيديولوجية؛ الشارقة من خلال دائرة الثقافة والإعلام، ومن خلال جوائزها الإبداعية والنقدية والفنية المتعددة والمختلفة والمنظمة على مدار السنة أغنت المشهد الثقافي العربي، وصالحت بين الحساسيات الكلاسيكية والتجديدية والما بعد حداثة حتى. مشروعها وإن كان مستندا إلى إحياء الثرات إلا أنه لم يتجرد يوما من معاصرَته وحداثَته. إنه مشروع هَوية عربية بشكل حداثي. هذا الكَيان الجميل المشرق هو الذي مكَّنَ الشارقة من أن تكون عاصمة سنوية للثقافة العربية لا بالتناوب أو بالتشريف كما يحصل مع بعض العواصم، بل بالإنجازات السنوية والتراكمات التي امتدت إلى عقدين من الزمن. خلاصة القول: إن الشارقة حاولت أن تكون "ديمقراطية" مع الأشكال والأجناس والحساسيات الثقافية كلها. صنعت قوس قزحها من كل الأطياف ولم تدخل في عصبية وقُطبية: (أبيض/التراث) (أسود/الحداثة).

   وكما هو الخير إذا فاض على البيت امتد للجيران؛ كانت رؤية سمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة الذي تستطيع أن تجرده من صفته "الأميرية" دون أن يُنقص ذلك من قوته وقيمته وتأثيره في الثقافة العربية. هذا "الشيخ الأبيض" بأياديه البيضاء وروحه الشفافة.. انطلق من مكانته الأكاديمية باعتباره "دكتورا" ناقدا، ومن روحِه الإبداعية باعتباره كاتبا مسرحيا ومحققا للتراث... انطلق ليعمم الفائدة الثقافية على البلدان العربية المنهوبة المنهوكة وامتدت يداه بالخير محاولا تأسيس ألف بيت !! نعم ألف بيت شعر. العبارة كما صدرت عنه يومها اعتبرت مبالغة؛ ولكن مع بداية ظهور أولى بيوت الشعر في مصر والسودان وتونس وموريتانيا والأردن؛ بدت المبالغة –حينها- واقعا جماليا يتحقق.. وبدا أن المغرب لن يفوته هذا الجمال.. المغرب !! وهنا مربط الفرس.

      المغرب الذي أسس أول بيت شعر في الرباط زمن محمد بنيس و"عِيَاله" التي كبرت وابتلعته.. هذا المغرب الذي تُحَركُه وتحتكره اشتراكية عميقة ما زالت مسيطرة على ردهات وزارة الثقافة منذ زمن وزيره محمد الأشعري الذي رغم أن لقبه يحمل الجذر الثلاثي للشعر إلا أنه لم يكن وفيا له حين أعاد نشر أذرع حزبه الثقافية فبقيتْ إلى يومنا هذا في مناصبها الحساسة تفرض توجها ثقافيا أحاديا يضيُق على أخيلة المثقفين المغاربة.. هذا المغرب الذي ترأسَ بيت شعره حسن نجمي فتحول إلى شاعر بين ليلة وضحاها ونجيب الخداري فتحول إلى شاعر كذلك.. لم يكن ليسمح لأي مبادرة، مهما كانت بريئة، أن تضايقه في ساحته الثقافية.. وأي محاولة للتنويع قد تكشف سوأته. يجب أن نفهم أصل المشكل؛ فلا تخلو ذاكرة المغربي من عنف تمثلاته عن الإنسان المشرقي؛ هذا التطاحن الفكري القديم المتجدد الذي كرس فكرة مركزية المشرق ثقافيا وإبداعيا وهامشية المغرب، هو الذي دفع بعبد الله كنون لكتابة النبوغ المغربي.

   بهذه الرؤية بدا الجسد "الثقافي" المغربي حانقا على المشرق، وكان هناك شبه إجماع ضمني بين المثقفين المغاربة المنضوين تحت لواء اتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر على مؤاخذة المشرق على طفرته البيترولية والتعامل معه على أنه كَيان "بيترودولاري" يدنس كل ما هو مغربي. في شبه أنفة أخلاقية وتعالٍ كاذب.. والحقيقة هي أن هؤلاء لم يستطيعوا اختراق المؤسسات الثقافية المشرقية والخليجية خاصة لأن هؤلاء وأولائك يختلفون في نقطة مهمة هي: الحزبية !!
    
     الخليج عموما لا يملك أحزابا قد ينشئ معها المغاربة صداقات أو توأمات؛ الاشتراكيون واليساريون هنا لن تجد لهم أشقاءَ في قطر أو السعودية أو الإمارات. ولكنك ستجد أشقاءَهم السياسيين في أوربا وأمريكا وغيرها من البلدان التي يتآخى معها مثقفونا المحزبون؛ هنا، يمكنك أن تفهم لمَ جائزة الأركانة، مثلا، تتجه إلى أسماء شعرية غربية تنتهي غالبا بصيغة (لاتينية) غير معروفة بالنسبة للمغاربة ولكنها معروفة من منظور سياسوي ضيق. إنها توأمات أيديولوجية أكثر مما هي توأمات ثقافية.
    
 لم يتبنَّ هذا التصورَ الأكاديميون والأساتذة الجامعيون الذين اشتغلوا في جامعات عربية أساتذة زائرين أو على سبيل الإعارة؛ من بينهم على سبيل الذكر لا الحصر: د. أحمد الطريسي، د. قاسم الحسيني، د. محمد الظريف، د سعيد يقطين، د. سعيد علوش، د. محمد أديوان... ويكفي أن هؤلاء، كلهم، أساتذة بجامعة محمد الخامس الرباط. وعلم الله عدد الأساتذة من مختلف الجامعات المغربية الذين درَّسوا بجامعات عربية خليجية وبرواتب "بترودولارية" دون أدنى مركب نقص. مذهبهم في ذلك أنهم يلقنون المشرق دون عُقَدة المركز والهاش المتجاوزَة. 

     ولكن للشعر منطقه الخاص !! الشعر في المغرب، ويا للبلادة !! شعر محزَّبٌ له انتماؤه السياسي، وعنده جريدة حزبية، ويملك منصاتٍ تُلقى من خلالها الخطب السياسية في المؤتمرات العامة للأحزاب كما تلقى القصائد الخافتة الباهتة.. وأتحدى أي معارض بأن يأخذ قصيدة عمودية ويحاول نشرها في جريدة الاتحاد الاشتراكي مثلا. الجرائد المغربية عموما والحزبية خاصة لا تتفق مع الشعر العربي القديم إلا في "عمودية" المقال!! 

    في لحظة من هذا الجنون المحض وُلد جيل شعري جديد مع بداية الألفية الثالثة؛ جيل اسمه: (الحسن الأحمدي ومحمد الأحمدي ومحمد عريج وخالد بودريف ونوفل السعيدي وعمر الراجي وحكم حمدان ومولود إيليش وعمر الصايم وحميد الشمسدي وأحمد الحريشي وعمر الأزمي وياسين حزكر...). هذا الجيل كان عاقا ونزقا؛ فقد استطاع أن يكتب القصيدة العمودية ويفوز بمعظم الجوائز العربية والدولية، واستطاع أن يكتب قصيدة التفعيلة ويفوز كذلك.. واستطاع أن يكتب قصيدة نثر لا كأي قصيدة نثر.. هذا الجيل استطاع أن يكسر القيود الأيديولوجية والحزبية التي تفرض فرضا على الصوت الشعري، وأوجد له منصات عربية أججت غيرة وحنق أعضاء بيت شعر المغرب وكشفت عوراتهم أمام الملأ؛ كان أصعب شيء عليهم أن المتلقي بدأ يستفيق ويقارن بين ما يقولون وما نقول.. استطاع هذا الجيل أن يحرج بيت الشعر بكل أعضائه الفاترة التي لم تحقق سوى سفرات سياحية على ظهر "قصيدة النثر" نحو مختلف البلدان العربية والأوربية بل وحتى اتجاه أمريكا اللاتينية.. وكان لا بد من الانتقام.
    
   خرجت الأذرع النقدية في أسمائها المعروفة، وأنا أتحدث هنا دون تحفظ، وأصرح لا ألمح، فلا شيء يخيف.. خرجت تتهم هذا الجيل بالاسترزاق والجري وراء البيترودولار.. كنا نزعجهم إلى درجة أنهم شككوا في شاعريتنا في أكثر من مرة؛ في مقال لصلاح بوسريف نشره في جريدة القدس،لم أستطع الوصول إليه، اتهم هؤلاء الشباب وجعلهم شلة مسترزقة؛ شباب حوصروا في الداخل من المؤسسات التي ينتمي إليها بوسريف ولكنهم استطاعوا بأصواتهم النقية اختراق المشرق العصي شعريا ونقديا وفازوا بجوائز محكَّمة من قبل لجان أكاديمية؛ هذا الفوز صار بالنسبة له ومن حاباه استرزاقا و"بترودولارية" !! إذا كان كذلك فماذا نسمي قبوله دعوة دار الشعر بتطوان لإحياء أمسية شعرية، علما أن هذه الدار هي فرع لبيت الشعر بالشارقة وتحصل على ميزانيتها من حكومة الشارقة.. من مبادرة "الشيخ الأبيض"؟ 

     وها نحن نعود إلى حيث بدأنا؛ الشارقة. لِمَ قَبِلَ رئيس بيت الشعر "نجيب الخداري" ذلك النثري الموغل في معتقدات الحداثة أن يشارك ضمن نشاط معنون: "ليلة الشعر المغربي" في بيت الشعر بالشارقة نهاية سنة 2016؟؟

    أليس التعويض الذي حصل عليه صلاح بوسريف ونجيب الخداري في هاتين المناسبتين بيترودولاريا؟؟ ألم تكن تلك الدولارات تَقطُرُ بيترولاً وتصدر منها رائحة البنزين المزكمة؟؟ 
      المتهافتون !! تلك البقرة التي يحلبونها منذ عقدين (بيت الشعر) بعد انقلابهم على محمد بنيس لم تكن لتشبع جوعهم مع أنهم قلة في البيت !! وأستغرب كيف يمكن لأي مؤسسة أو جمعية وطنية أن تقفل أبوابها أمام الأصوات الجديدة.. أليس الشعر إبداعا إنسانيا وجمالا يستحق أن نتشاركه؟؟ أليست العضوية مشاعاً تثري الساحة؟ أم أنها مجرد بطاقة عبور حصرية للأنشطة "المؤَدْلَجَة"؟ 

   عندما امتدت يد الشارقة بالخير الثقافي (مبادرة ألف بيت شعر) إلى مصر والأردن وتونس والسودان وموريتانيا لم يمانع مثقفوا هذه البلدان من افتتاح بيوت الشعر.. ولم تكن مهمة إنجاز هذه البيوت مهمة "دبلوماسية" بل ثقافية؛ أي أنها لم تكن لتمرَّ من ردهات وزارة الخارجية ووزارة الثقافة. كانت أي جمعية أو جامعة تستطيع تسير مبادرة بيت الشعر.. لكن وللمفارقة عندما حطت هذه المبادرة في المغرب اعترضها قطاع الطرق ولصوص الثقافة بحجة أننا نملك بيت شعر (راكد) ولا يمكن أن نسمح بمنافسة خليجية كما قال قائلهم !! 

     مرت مبادرة الشارقة للأسف تحت ضغط بيت شعر المغرب ووزارة الثقافة من قناة دبلوماسية ضيقة؛ جعلتهم يفرضون شروطا قاسية ومجحفة واستغلالية على مبادرة الشارقة.. كانت الشارقة بين أياد سارقة !! 

      ألمْ يتسالْ فيكم متأملٌ لمَ هذه المبادرة في كل البلدان التي مرت منها سميتْ (بيت الشعر) وعندما وصلت المغرب أطلق عليها (دار الشعر)؟؟ إنه خوف الرداءة من الجمال. ألم يتعلم مدير دار الشعر بتطوان التابعة للشارقة الدرسَ بعد؟؟ ألم يرَ كيف يُدار بيت الشعر في الشارقة وبيوت الشعر في مصر وتونس و و و..؟؟ ألم يفهم بعد أنه يجب عليه أن يكفَّ عن لعب دور العميل المزدوج؟؟ 
       
    نعم، نعرف أنه "مخلص" لبيت الشعر "الخداريِّ" "النجميِّ"؛ ونعرف انتماءه لحساسية معينة لا تؤمن بقصيدة العمود وتعتبر من يكتبها رجعيا.. ولكن ما الذي يجبره على أن يأكل الغلة ويسب الملة؟؟ كيف يتقاضى أجرا من الشارقة ولا ينخرط في تصورها ومشروعها الثقافي؟؟ لا بأس من احترام خصوصية المغرب ولكن دون استغلال مشروع آخر وهدمه.. مشروع بيت شعر الشارقة يتبنى كل الحساسيات: (عمودي، تفعيلة، نثر) ولكن مشروع بيت شعر المغرب لا يؤمن إلا بالنثر !! من هو المتعصب إذن؟؟ 

      منذ افتتاح دار الشعر بتطوان وأنا أتساءل ما الذي أضافته للساحة الثقافية المغربية؟؟ لا شيء. أسماء (بيت الشعر) القديم تتكرر بالنشاز نفسه في (دار الشعر)؟؟ الجديد هو أنهم حصلوا على ميزانية من الشارقة أراد بها "الشيخ الأبيض" خيرا للشباب وكل الحساسيات فكان أن التفوا على إرادة الشارقة واستمروا في غيهم القديم.. من يريد أن يتأكد فليطلع على أنشطة دار الشعر التي تعرضت للاختراق؛ أنشطة لا يحييها إلا المؤَدْلَجُونَ؛ أنصاف أرباع أسداس الشعراء !!برنامج دار الشعر منذ افتتاحها وحتى الآن (في المعرض الدولي للكتاب) يقول: إن مشروع الشارقة قد تعرض للاختراق. وسؤالي للشارقة هذه المرة: ما الفائدة من تكرار الغلط نفسه بإنشاء دار شعر أخرى بمراكش؟؟ أليسَ أنَّ المرءَ لا يلدغ من الجحر مرتين !؟ 

اقرأ له أيضا :  أكرمكم عند الشعر أجملكم

ضع تعليقك هنا
الإبتسامات إخفاء