تقريرمناقشة أطروحة دكتوراه في موضوع : مكون الحكي في القصيدة العربية الحديثة ، للطالب الباحث محمد العناز



مكون الحكي في القصيدة العربية الحديثة
شهدت رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء يوم الثلاثاء 19شتنبر 2017 مناقشة أطروحة دكتوراه في الآداب، ضمن تكوين دكتوراه تحليل الخطاب السردي (مختبر السرديات والخطابات الثقافية) تقدم بها الطالب الباحث محمد العناز في موضوع "مكون الحكي في القصيدة العربية الحديثة" أنجزها بإشراف الأستاذ الدكتور عبد اللطيف محفوظ.
وقد تشكلت لجنة المناقشة من الأساتذة: 
د. شعيب حليفي بوصفه رئيسا ومقررا،
 ود.عبد اللطيف محفوظ بوصفه مشرفا ومقررا، 
ود.معجب العدواني بوصفه ممتحنا ومقررا،
 ود.مصطفى النحال بوصفه ممتحنا ومقررا،
 ود.عز الدين الشنتوف بوصفه ممتحنا ومقررا.
حيث ناقشت البحث من كافة جوانبه بملاحظات في الموضوع والمنهج، مع تثمين المجهود الذي بذله الطالب في بناء أطروحته.وبعد خمس ساعات ونصف من المناقشة، اختلت اللجنة لتمنح الطالب الدكتوراه بميزة مشرف جدا .
وفي ما يلي أهم عناصر التقرير الذي تقدم به الطالب:
حين اخترت في مستهل الموسم الجامعي2012- 2013 البحث في موضوع:" مكون الحكي في القصيدة العربية الحديثة" بإشراف أستاذي الجليل الدكتور عبد اللطيف محفوظ، كان الطموح العلمي الذي يوجهني هو أن أوفق في تطبيق قراءة حديثة على الموضوع وإخضاعه لمتطلباتها النظرية والمنهجية. ذلك أن الاقتناع الذي كان يلازمني حينئذ هو أنه إذا كان مسموحا الحديث عن الحكي الشعري Le récit poétique ، كما هو الحال مع  ياﭬيستادي، فلماذا لا يكون ممكنا التساؤل عكس ذلك أيضا عن الشعر الحكائي، وأظن أن هذا الأمر يشكل رهانا بوصفه محاولة لبناء أرضية بكر في مجال البحوث السردية؛ لأن النص الأدبي الحديث، مهما كان تصنيفه وتجنيسه، لا يتأسس على الصفاء الأجناسي، بل العكس هو الوارد، إذ الحداثة تُقام على هدم الحدود بين الأجناس.
لكن وأنا مطمئن إلى ذلك الطموح وموجه بخطواته الواثقة، طيلة المراحل الأولى من إعداد هذه الرسالة، سرعان ما بدأت عناصر الارتياب تتسرب إلي وتسائلني في رجاحة ما كنت مقتنعا به وواثقا منه. إذ من خلال ترددي على عدد من الدراسات الأدبية التي قاربت مستويات التداخل بين الشعري والسردي، ووقوفي على جمهرة من المؤلفات المصنفة في علم السرديات، ومراجعتي لما كتب في ضوابط الانفتاح وآلياته، بدا لي أن نصوصا شعرية عديدة استمدت بناءها الحركي والزمني من الخاصية السردية. بل لم يقف الأمر في ذلك عند حدود استثمار الخاصية السردية في بناء القصيدة، بل تعداها إلى استثمار الموروث السردي، من طريق محاورة الأساطير والحكايات الشعبية، والانفتاح على متاح التشكيل والسينما والفوتوغرافيا، والدراما، والوثائقي، والمشهديات الجديدة.. أضف إلى ذلك أن عديدا من الدراسات السابقة التي وقفت عندها تشكو في تمثلها للنصوص من آفة الاختزال، الأمر الذي يعرضها لانتقادات قاسية من جراء تطبيقاتها الآلية.
وهكذا، ومنذئذ، تحول ما كان مجردَ مظهر من الارتياب إلى إشكال حقيقي بدأ يستحكم في البحث ويُوجِّهُ خطواته متخذا صيغا استفهامية من قبيل: إلى أي حد يعد الشعر جنسا صافيا وخالصا يبقى ضمن حدوده أم يتعداها إلى أجناس وخطابات أخرى، فيأخذ منها بعض مكوناتها وخاصياتها؟ وإلى أي حد يحضر مكون الحكي في القصيدة العربية الحديثة؟  وكيف يشتغل هذا المكون داخل القصيدة؟ وما هي عناصر هذا المكون التي تهيمن أثناء حضورها في القصيدة؟ وإلى أي حد تؤثر القصيدة في طبيعة مكون الحكي وعناصره؟
هذه الأسئلة وغيرها جعلتني أُوَاجِهُ في المنطلق إشكال العلاقة بين الحكي والشعر وما يقترن به من تصورات متباينة ومواقف متفاوتة. كما جعلتني في صلب المسافة المعرفية التي تفصل بين ما هو شعري وما هو حكائي. ولم يكن أمامي خِيَّاٌر- وأنا أسعى إلى تطوير أجوبة ممكنة عن تلكم الأسئلةَ- إلا الاختيارَ بين أمرين: فإما أن أطبق النظريات السردية تطبيقا آليا على النص الشعري. وإما أن أكشف عن خاصيات الحكي وفق آليات الانفتاح، ومراعاة خصوصية الجنس الأدبي من داخل ما هو نصي.
والمراد من هذا السؤالِ الوصولُ إلى عدِّ الشعر إبداعا مفتوحا يقبل أن يستوعب داخله خاصيات جمالية خاصة بأجناس أخرى غيره، وبخاصة في مجال القصيدة الحديثة التي فرض تطورها وتراكمها المعاصران عدم الانطواء على نفسها والاكتفاء بما يميزها من أساليب ومكونات؛ فمن الواضح بالنسبة إلى من يواكب التجربة الشعرية العربية الحديثة، يدرك أن القصيدة قد فتحت حدودها الأجناسية على كل الخطابات المتنوعة محاولة الاستفادة منها في بناء ذاتها، وفي التعبير عن موضوعاتها، فمن البَدِيهِي أن يفرض الواقع المعاصر المعقد على الشعر التكيف معه، ومع التحولات فيه، ومن ثمة أن يعبر عن هذا التعقدِ، وهذه التحولاتِ بوسائلَ فنية مختلفة، وإن كانت هذه الوسائلُ موجودةً في فنون أخرى مغايرةٍ له. لكن لم يوسع من الإشكال الذي يخص مسألة علاقة الشعر بتداخل الأجناس، وهي مسألة ليست بالجديدة فقد طرحت باستمرار عند عديد من الباحثين، ومن ضمنهم باختين حينما عالج أصل الرواية في كتابه "شعرية دوستويفسكي"، لكن ما يثير السؤال في صددها معرفة كيف يحدث هذا التداخل، وبخاصة بالنسبة إلى مكون الحكي الذي يتميز بخاصيات جمالية نوعية مختلفة عن الشعر، وحضور هذا المكون داخل القصيدة يقتضي أن تنتج عنه مظاهرُ معينةٌ تتعلق بالتأثير في تشكيل الجملة الشعرية، بل في بناء القصيدة ككل. كما أن القصيدة حين تقبل أن يدخل إلى بنائها الحكي لا تتركه طليقا يفعل ما يشاء بها، وبمكوناتها، فلا شك أنها تؤثر فيه أيضا، وتفرض عليه أن يحترم خصوصيتَها؛ فيتأثر بها. وهذا التأثير المتبادل بينهما هو ما يمكن الوقوف عنده؛ لأنه يعد الأساسَ في إنتاج السمات الجمالية للقصيدة الحديثة، ويتطلب هذا التأثير المتبادل السؤالَ عَمَّ هي عناصر مكون الحكي التي تقبل القصيدة أن تحضر داخلها، وتسمح بأن تنضم إلى خصائصها الجمالية؟ فللقصيدة شروطها البنيوية والجمالية التي تحددها، ولا تسمح بالتخلي عنها. فهل عناصر مكون الحكي التي تتقبلها القصيدة تتحدد في الحدث، أو الزمن، أو الشخصية، أو الرؤية السردية، أو الحبكة؟ ما نستطيع أن نقوله- في لحظة التساؤل- هو أن القصيدة لا تستوعب كل هذه العناصر بل تأخذ منها ما يخدم أهدافها، وموضوعها، ورؤيتها.
تعد إذن الأطروحة التي أدافع عنها ماثلةً في مجمل الأسئلة سالفةُ الذكر؛ بحيث نعدها متمحورةً حول البحث في  إشكال انفتاح الشعر على الحكي، ودراسة الآليات التي يتحقق بواسطتها هذا الانفتاح على الأجناس الأدبية، ومن جهة أخرى البحثُ في الكيفية التي يؤثر بها مكون الحكي في بناء القصيدة العربية الحديثة، وصياغة أسئلتها الجمالية، بما يفيد من إمكانات الاقتراب من حدود الشعر أو الابتعاد عنها، وخاصياتهِ الفنيةِ التي تميزه عن غيره من الإبداعات الأخرى المغايرة له. هذا إلى جانب طرح مسألة الحدود بين الشعر بوصفه صياغة فنية، تقوم على أسس جمالية محددة والحكي على اختلاف أنواعه بعدّه مجالا يستثمر الأشكال الحكائية المختلفة، والتقنيات السردية. ولاسيما وأن الإشكال لم يحظ بالدراسات النقدية الكافية سواء أعلى مستوى التحليل أم التنظير أم الدراسة مقارنة بما حظيت به دراسة مكون الشعر في الأنواع السردية على اختلاف أصنافها.
2- تحديد متن الدراسة:
لقد حُدِّدَ متن الدراسةِ وَفْقَ معايير محددةٍ نذكر منها:
 1- تحديده في سياق الإشكالية التي تقوم عليها الأطروحة ومراعاة أسئلتها الرئيسة.
1-           مراعاة التنوع وفق اختلاف الأجيال والأزمنة والأمكنة، فلم يكن من الجيد التركيز على جيل واحد من الشعراء، ولا على مرحلة واحدة، ولا على قطر واحد، وهذا التنوع يعود بالفائدة على الأطروحة؛ لأنه يمكننا من تَعَرُّفِ تحاربَ شعريةٍ مختلفةٍ من حيث الحساسية الجمالية.
2-           مراعاة الجودة حيث كان من المفروض اختيار النصوص التي تتميز بقدر معقول من إتقان الصنعة الشعرية ومواكبة مستجدات الحداثة.
3-           أن تكون النصوص التي يتكون منها المتن ممثلة لموضوع الأطروحة؛ أي الانفتاح على مكونات الحكي.
4-           مراعاة القارئ حيث اخترنا النصوص التي يسهل الوصول إليها من قبل القارئ.
ولهذا قاربت الأطروحة نصوص الشعراء الآتيةُ أسماؤُهم وفق الترتيب الأبجدي:
أمجد ناصر، إيمان الخطابي، باسم فرات، حسن نجمي، خلود المعلا، سركون بولص، سيف الرحبي، شوقي بزيغ، عباس بيضون، عبد الإله الصالحي، عبد المنعم رمضان، عبده وازن، قاسم حداد، محمد الأشعري، محمد علي شمس الدين، محمود حمد، محمود درويش، منير بولعيش، المهدي أخريف، وديع سعادة، وفاء العمراني، ياسين عدنان

الاختيار المنهجي
    اعتمدت في مقاربة الموضوع المعالج في الأطروحة اختيارا منهجيا، يتمثل في المزاوجة بين التحليل الوصفي، والمقاربة الشعرية؛ فهذه المزاوجة المنهجية تعد في نظري هي الأنسب للبحث. فالتحليل الوصفي يسمح باستقراء القصائد المختلفة، وفحصها بهدف استخلاص خصائص عامة مشتركة بين النصوص ضمن تداخلها مع أجناس أخرى، واستثمار هذه الخصائص نظريا وتطبيقا. ولا يعني هذا أني أنطلق- في اعتماد الوصف التحليلي- من فراغ، وإنما من خلال أسئلة توجهني للحصول على ما أبحث عنه خلال عملية الاستقراء، وهذه الأسئلة هي مستوحاة من المقاربة الشعرية في مشاربها المتنوعة، وفي تاريخها الذي يصل إلى العصر اليوناني مع أرسطووأفلاطون، لكن ما يؤثر في مقاربتي الشعرية أكثر هي الأسئلة الحديثة التي طرحها عدد من المنظرين المحدثين. وبالمناسبة لا بد أن أوضح في هذا الجانب بأن المناهج الأخرى من سيوسيولوجيا الأدب، وسيميائيات، وتداوليات، ونقد ثقافي، ومقاربات أخرى لا تتناسب وطبيعة الإشكال الذي انطلقت منه؛ لأنه إشكال لا يتعلق بفهم الدوافع سيكولوجية كانت أم سوسيولوجية أم ثقافية، ولا يتعلق بحضور القارئ، ولا بتوظيف الرموز والدلالات. لكن هذا لا يمنع في المقاربة الشعرية التي أعتمدها من الاستفادة من المنجز البنيوي؛ لأنه يتصدى لدراسة النصوص من حيث هي عناصر وعلاقات وبنى ووظائف، وهذا يفيد البحث في تعميق الوعي النقدي المتصل بالخاصيات الجمالية، والربط في ما بينها، وتحليلها للوصول إلى أحكام شمولية.
3 ــــــــ زاوية المقاربة:
فالنص الشعري كما أتصوره هو نص قبل كل شيء، وهو أيضا فن يخضع بطريقة مخصوصة لأبنيته المتعددة، ولتوجهاته الفنية المحددة لخصائصه الجمالية النوعية؛ فمن حيث هو نص قابل لأن يُتعامل معه بوصفه معطيات لغويةً، وبلاغيةً، وصوتيةً، وخطيةً. وبالتالي لا يمكن بحسب هذا المعطى أن أُدخل في التحليل الجانب المادي للنص، فهو يتميز في الشعر بطبيعة مختلفة عن حضوره في النثر، وأبرز دليل على ذلك أن الباحث في الشعر يتعامل مع السطر الشعري بينما يتعامل في النثر مع الوحدات السردية. أما في ما يخص الجانب الفني للشعر، فإني أرى أن القصيدة تتشكل بموجب الصورة الشعرية، وما تقوم عليه من مكونات بلاغية، ومجازية. ومن ثم فلا بد للتحليل من مراعاة مدى تداخل النثري الحكائي والشعري، وكيفية تأثير هذا التداخل في الجانب المادي للنص، وفي الجانب الفني. وذلك من خلال سؤال مركزي، وهو: إلى أي حد يؤدي حضور مكون الحكي في القصيدة إلى التأثير في السطر الشعري، والتوزيع الكاليغرافي، وفي الصورة الشعرية وبنائها، وفي طبيعة المجاز الذي يكونه؟ إن إلغاء زاوية النظر هذه سيحدث ارتباكا وخلطا في معالجة موضوع أطروحتي، وسيفقده الدقة العلمية اللازمة.
من هنا، واستنادا إلى ما تقدم، جاء البحث منتظما في مدخل عام وبابين ففي المدخل حددت الموضوع، والأسباب الذاتية والموضوعية الكامنة وراء اختياره، والمفاهيم الرئيسة التي تحدد خارطة الطريق التي سيسلكها البحث، وتنبني الأدوات التي أشتغل بها، ثم انتقلت بعد ذلك إلى تحديد مكون الحكي في الفعل الذي يتم بوسطته نقل الغياب، أو نقل حدث وقع في الماضي إلى شخص آخر في الزمن الحاضر، ويشمل الطريقة التي يروى بها الحدث، وضبطه في المعاجم، وعند الشكلانيين الروس، وتزيفتانتودوروف، وجيرار جنيت. ولا يمكن لهذا هذا المفهوم أن يكون مستوعبا بطريقة دقيقة من دون تحديد مفاهيم أخرى مهمة لها علاقة وثيقة به. ومن بين هذه المفاهيم الحكاية، والسرد، والرؤية السردية والزمان، والحبكة.
هذا إلى جانب تحديد التعالق بين مفهومي الشعر والحكي، وذلك ليتبين لي وجه الاشتغال في الأطروحة، وتحديد مجالها بخاصة مع الملاحظة النقدية التي أوردها ميخائيل باختين حول تعدد الأصوات عندما أشار إلى إمكان الحديث عن تفكير فني متعدد الأصوات وخاص يتجاوز حدود الصنف الروائي، مقترحا ضبط هذا التعالق النصي في خاصية الانفتاح بوصفها خاصية أجناسية قادرة على التوسع داخل القصيدة العربية الحديثة؛ بحيث لا تقف عند حدود الأجناس الأدبية بل تتعداها إلى ما له علاقة باللوحة التشكيلية، والصورة السينمائية، والصورة الرقمية، وجماليات الخطوط.. فما هو إذن، هذا التعالق؟ أهو تداخل أم تفاعل أم انفتاح؟
    إن الجواب عن هذا السؤال قادني إلى البحث في المدرسة الرومانسية التي قامت بهدم الحدود، وانفلتت من كل انتماء، فالتداخل عرف حضورا مكثفا في القرن العشرين، وبخاصة مع جماعة تيل كيل حتى أصبح تصنيف العمل الأدبي ضمن نوعه الخالص مهمة عسيرة؛ لأن الأمر يتعلق بنص ترفض فيه الكتابة أن يكون مرجعها غير نفسها محددا تصورات كل من رالف كوهن، منطلقا من زاويتين هما: الزاوية الأولى: قبول جنس معين أن ينفتح على أجناس أخرى غيره من الأدب فيدمجها داخله، ويجعلها جزءا من نسيجه، كأن تستوعب الرواية مثلا مكونات من الشعر، أو من الحكاية الشعبية، أو من المسرح، أو من القصة القصيرة، أو من الأغنية، أو أن ينفتح الجنس الأدبي (الرواية مثلا) على فنون أخرى غير أدبية، مثل الموسيقى، والسينما، والتشكيل. والزاوية الثانية: هدم مفهوم الجنس الأدبي، وتحويل الكتابة إلى نص يكتفي بالتعبير الجمالي من دون التقيد بنمط معين، أو قواعد محددة، أو معايير معينة. لأنتقل إلى دراسة النص الأدبي من زاوية انفتاحه على النصوص الأخرى داخل الدراسات الأدبية بتوظيف مصطلح التناصانطلاقا من نظرية جوليا كرستيفا، وجيرار جنيت، وميخائيل باختين، ورولان بارت. لأنتقل بعد ذلك إلى تحديد علاقة النص الأدبي بخاصية الانفتاح من خلال تصورات كل من أمبرتو إيكو الذي يرى في النص كونا مفتوحا انطلاقا من أن كل أثر فني من خلال تجربتين هما: الإشراقية والرومانسية بوصفهما تجربتين تقومان على نظرية "الشعر الخالص" والرمزية، وبول ريكورالذي دعا إلى هدم الحدود بين الأجناس وشكه في النظام، وإيف ستالوني الذي حصر نظرية الأجناس الأدبية في تحديدات معينة تقوم على المهيمنة بهدف إعادة الاعتبار للمقاربة الخطابية للأدب، وجيرار جنيت الذي يبني النص على آثار نصوص أخرى، فالأمر يشبه طرسا مكتوبا يمحى ويكتب عليه نص آخر. وقد ارتبط انفتاح الشعر على الحكي من خلال أنشودة غنائية ممتازة عن جورج بانويل". ولكي نستطيع أن نفهم طبيعة هذا الانفتاح بين الأجناس الأدبية- وغيرها- عدت إلى العصر اليوناني عند كل من الفيلسوفين: أفلاطون وتلميذه أرسطو من أجل التمييز في ما بينها، وقد تم التركيز في هذا التمييز على الفصل بين الشعري والسردي انطلاقا من التلفظ؛ أي من يتكلم في النص؟ وبدأت أولا في سياق هذا التمييز بالإشارة إلى الفرق بين مفهوم الأنا المتكلمة في الشعر، والأنا المتكلمة في السرد. ثم انتقلت إلى تحديد الصفاء الشعري ومكون الحكي وانفتاح الأجناس انطلاقا من ملاحظة نقدية أثارها أمبرتو إيكو في كتابه "الأثر المفتوح" بين الانفتاح و"نظرية الشعر الخالص". ومن هنا تأتي أهمية تحديد مفهوم الصفاء الشعري كما نظر له بول فاليري في محاضرته "الشعر الصافي" الذي ظهر على يد شارل بودلير في دراسته حول إدغار ألان بو، ويشير إلى الماهية الشعرية التي تزيح عن الشعر كل مكون غير جمالي، وتجعل من البعد الجمالي الصارم، والاهتمام المبدئي بالشكل إحدى تمظهراته الرئيسة.
    لقد ارتبط الباب الأول من الأطروحة بـ"مظاهر القصيدة الحديثة والانفتاح"، وتطرقت في الفصل الأول منه إلى تحولات القصيدة الحديثة، واستثمار الأبنية الجمالية لغيرها من الأجناس الأدبية، ورصدت الشروط التاريخية التي شكلت إنتاجية القصيدة العربية الحديثة؛ ذلك أن بنيتها المعمارية خضعت للوحدة الموضوعية، ولم تتأسس على الحبكة كما هو الأمر بالنسبة إلى التجربة الشعرية الغربية، وقد أثر هذا المعطى في تشكيل الشعر الحديث، غير أن تحول القصيدة وتجددها المستمر بشر بتحول شمل بناءها وأنظمتها، ولغتها، وموضوعاتها كما هو المثال مع التجربة الرومانسية التي شكلت مهادا مناسبا لانبثاق قصيدة التفعيلة، التي هي الأخرى واكبت التحولات العميقة التي كان يمر منها العالم العربي سياسيا واجتماعيا وحضاريا سواء أفي علاقته بذاته أم بالغرب.
    إن طبيعة التحولات أسهمت في بناء قصيدة غيرت من نظامها المعماري والتصويري والأسلوبي والرؤيوي؛ حيث انفتحت على الموروث الثقافي الإنساني برموزه وأساطيره وأحداثه، وأعادت تنظيم مقوماته، ومرجعياته ليجيب عن الأسئلة الراهنة بما هي أسئلة منفلتة، ومن جهة أخرى انفتحت التجربة الشعرية على الأجناس الحديثة من قصة ورواية ومسرح.. عبر الاستفادة من إمكاناتها التعبيرية، وتقنياتها السردية، ووظائفها البنائية، ومقوماتها الجمالية. ولعل هذا الانفتاح على الأجناس الأدبية شحن لشعرية حديثة بطاقات تعبيرية وجمالية مكنتها من إعادة النظر في الشعرية العربية برمتها، كما مكن من إعادة النظر في كثير من المسلمات؛ ذلك أنها صارت تتجاوز البعد الغنائي الضيق إلى بعد درامي واكبت التجربة الإنسانية في امتداداتها المختلفة. أما في الفصل الثاني فقد عرضت مكون الحكي في الشعر من خلال الدراسات النقدية التي حصرتها في "السردي في الشعر العربي الحديث: في شعرية القصيدة السردية" للباحث فتحي النصري، و"مرايا نرسيس: الأنماط النوعية والتشكيلات البنائية لقصيدة السرد الحديثة" للباحث حاتم الصكر، و"سردية القصيدة الحكائية: محمود درويش نموذجا للباحث يوسف الحطيني. أما الفصل الثالث فقد خصصته لأدوات الاشتغال ومفاهيمها، وانطلقت فيها من التصور وآليات الاشتغال لتحديد عناصر الحكي في الشعر، انطلاقا من تناول أهم العناصر الحكائية التي اعتمدتها في التحليل، وجعلتها موجهة لي في ضبط العلاقة الموجودة بين الشعري والحكي، والتي حددت لي المخطط العام للأجزاء المتعلقة بالتطبيق في الأطروحة من خلال فصول توزع حسبها؛ وهذه العناصر تنقسم إلى أربعة، وهي كالآتي: القصيدة الحبكة، والقصيدة الحدث، والقصيدة الشخصية، والحكي والصياغة الفنية. وتسمح هذه العناصر الثلاثة الأولى بتحديد أنماط القصائد التي تستخدم السرد مكونا لها، بينما العنصر الرابع يسمح بضبط علاقة هذه الأنماط الثلاثة بالتشكيل الفني للقصيدة الذي يمكنها من الانفتاح على الأشكال والصيغ السردية. ثم انتقلت إلى ضبط  الأسئلة الموجهة للتحليل من خلال علاقات القصيدة الحكائية بالبعد الكاليغرافي، والصوت، واستثمارها الحبكة وبنائها، والمادة الحكائية. ثم حددت بعد ذلك المكونات المشتركة بين الحكي والشعري، وانفتاحها على أجناس أدبية مختلفة، وبخاصة الأجناس الحكائية، كبناء الرحلة، ومكونات الحكي كالزمان، والمكان، والحوار، والوصف. ثم حددت انفتاح القصيدة الشعرية على المرويات التاريخية، والحكاية الشعبية وبخاصة الحكاية العجيبة، وانتقلت تبعا لذلك إلى رصد مستويات بناء الحدث داخل القصيدة التي لا تتقيد في طابعها الحكائي بالقيود التي توضع على الحدث في الأنماط الحكائية النثرية؛ بحيث لا يعد ضروريا في القصيدة لتحقيق تماسكها، وانسجامها. ثم أبرزت أسلوبية القصيدة الحكائية من خلال المزاوجة بين ما هو غنائي وحكائي؛  وهذه المزاوجة تجعله ينتقل باستمرار بين الاستجابة إلى الدفقة الشعورية المتحررة من كل منطق حدثي، والتوسل بالأسلوب السردي الذي يتأثر بخصائص النثر بما فيها خاصية الإيقاع الأسلوبي، والرمز، والعلاقة التي يبنيها الشاعر مع الخبر الذي ينقله إلى القارئ؛ والاستعمال اللغوي، والضمائر، والصوت الشعري، وثنائية الشفافية والكثافة، وتقنية الوصف وتداخلها مع السرد. ثم انتهيت في هذا الفصل إلى تحديد شروط تحليل قصيدة الحكي، ووضع خطاطة مجسمة لها.
    وقد خصصت الباب الثاني لدراسة مكونات الحكي في القصيدة الحديثة؛ إذ تطرقت في الفصل الأول إلى" القصيدة الحبكة" انطلاقا من أربعة مباحث، فكان عنوان المبحث الأول: (الحكايةُ- الرمزُ بين الواقعي والمتخيل)توقفت فيه عند طبيعة البناء الحكائي في القصيدة، وتخييل المادة التاريخية وتمثيلها انطلاقا من المنظوره الخاص، وتحديد عناصر الحكي. وكان عنوان المبحث الثاني (القصيدة والحبكة البسيطة) الذي خصصته لدراسة البناء البسيط الذي يعتمد أساسا البداية والوسط والنهاية من دون أن يقوم البناء على تحول مع استثمار التجارب الشعرية لبعض العناصر السردية كالمكان، والزمان، والشخصية، والحوار، والمفارقة. ودرست في المبحث الثالث (قصيدة الحبكة وبناء الرحلة) وطبيعةالبناء الذي يستمد وحدته من الرحلة، وطرح ثنائية الأنا والآخر في علاقتهما بالألفة والغرابة عبر الاستفادة من المكونات الحكائية من قبيل الحوار، والوصف، والمكان، والزمان، وتطرقت في المبحث الرابع إلى (الحكاية والسيري) مستثمرا مفهوم الضمير والبعد الواقعي انطلاقا من سؤال السيريالحكائي على لحظات فارقة في حياة الشاعر من دون أن يعنى بتتبع سيرته.
وقد وزعت الفصل الثاني الموسوم بـ"قصيدة الحدث" إلى أربعة مباحث. رصدت في المبحث الأول الحكي ووحدة الحدث؛ فميزت ما بين الحكي والحدث، وتتبعت الوحدة في الشعر المعاصرالتي تقوم على أفعال ووحدات وظفتها الأنا الشعرية، وهي تشغل حيزها. أما المبحث الثاني فقد خصصته للحدث ومراوحته ما بين التنافر وتماسك الأنا الغنائية الشعرية؛ إذ تتأسس قصيدة الحدث وفق استثمار الأحداث المتنافرة في علاقتها بالأنا؛ وذلك عبر استعمال ترتيب منطقي وسببي للأحداث عبر حيز زمني ومكاني. أما في المبحث الثالث فقد تطرقت فيه إلى الحدث ما بين المألوف وغير المألوف انطلاقا من توظيف مفهوم الاستثنائي؛ حيث تقدم الأنا الشعرية أحداثا غير مألوفة تتأسس على التضاد، وخرق سنن الطبيعة، فالحكي في النص الشعري ينبني على الامتداد وبناء حبكة تخييلية تقوم على الاستثنائي بوصفه قائما على الخرق والحكي غير المألوف ينفتح كذلك على الرؤية البصرية. إن الحدث غير المألوف يوظف تقنية الكثافة، والاهتمام بالتوزيع الكراليغرافي، والتنويع في الأسلوب عبر الحوار والاسترجاع، والصورة، والوصف، والاعتماد على الذاكرة، وتعالق النصوص. بينما خصصت المبحث الرابع لدراسة الحدث- المفارقة؛ حيث حددت مفهومه وتنويعات استخدامه، ومجال؛ ذلك أن بعض النصوص تقوم على ما يسمى بالحدث الواحد؛ وهذا الحدث التخييلي يتم انطلاقا من سياقات غير واقعية؛ وهي مفارقة تشتغل أساسا على الدلالة في علاقتها بالقيم الرمزية. وإذا كانت بعض التجارب تتسم بالانغلاق في ما يتعلق بتوظيفها للمفارقة، فإن بعضها يتميز بالانفتاح الذي يقوم على السؤال والتعليق والنفي، واستثمار ضوابط الصورة الشعرية بهدف تأسيس خطاب احتمالي. أما في نصوص أخرى يقوم على التعارض في التوقع عبر استثمار التاريخي لصالح الواقعي، وعلى اللقطة والاستعارة الكلية، والوحدة الدلالية عبر صوغها المختلف.
وحددت في الفصل الثاني "قصيدة الشخصية" مفهوم الشخصية عبر حضورها في الشعر والحكي، وانتهيت إلى اعتبار أن الشخصية في القصيدة تتسم بالاختزال سواء أفي علاقتها بالذات أم بالغير أم بوصفها رمزا؛ وهو ما قادني إلى تقسيم الفصل إلى ثلاثة مباحث؛ ففي المبحث الأول عالجت فيه الشخصية الواقعية المحض؛ فالشاعر لا يستعيد الشخصية إلا في صورتها العاطفية عبر تذويتها، واللجوء إلى المقارنة، واستعمال طاقات التصوير والحكي بهدف بنائها داخل الحكي الشعري. أما في المبحث الثاني فقد خصصته للشخصية التراثية عبر مجموعة من النصوص التي توظيف الشخصية التراثية والاستفادة من حكاياتها العجيبة ودلالتها الرمزية، وإعادة صوغها لتواكب اللحظة الشعورية. وبهذا المعنى تتحول الشخصية التراثية إلى رمز يجيب عن أسئلة الشاعر. أما في المبحث الثالث وهو امتداد للمبحث الثاني فقد خصصته للشخصية الواقعية الرمز، وقد ميزت المستويات الثلاث لمفهوم الشخصية، وحددت الشخصية الواقعية الرمز بوصفها موقفا من العالم؛ حيث يتم استخدام جملة من الشخصيات الواقعية الرمزية عن طريقاستثمار الخطاب المباشر وأسلوب المقارنة، وتلبس الرمز ليعبر عن ذات الشاعر انطلاقا من تداخل السيري بالغيري.
وخصصت الفصل الرابع للحكي والصياغة الفنية، وقد قسمته إلى ثلاثة مباحث: في المبحث الأول تناولت إشكال الحكي والزمن والذاكرة؛ حيث قاربت الزمان في علاقته بالحكي؛ حيث يعمل بعض الشعراء على المزاوجةبين زمان الماضي والمستقبل مستغلينإبدالات اللغة ومتاحاتها للتعبير عن وضعية، كما رصدت علاقة الحكي والذاكرة؛ حيث يتم استعادة الذاكرة وكل ما يتعلق بالتجربة الشخصية للشاعر في الحياة؛ فتتحول القصيدة إلى وثيقة تاريخية تؤرخ للحظة مخزنة في الذاكرة. أما الحكي والزمكان فقد تناولت نصوصا توظف الحوار في علاقته بالزمنية، وتوظف المكان المرجعي القائم على الواقعية والتحول. وتناولت في المبحث الثاني الحكي بين السيري الذاتي والحكي الغيري؛ إذ يستعمل بعض الشعراء السيرة الغيرية بهدف تذويت نقل الغياب، والحكي غير المباشر عبر الأنا الشعرية. وخصصت المبحث الثالث لدراسة السيري الغيري والدفق الشعوري، وذلك في نصوص تتمثل الحالة النفسية للشعراء، وتتخذ هيئة دوال متدفقة غير مترابطة، فالداخل الشعوري يقارب على سبيل المثال تجربة الفقدان بوصفها تجربة يسعى الشاعر إلى نقلها عبر داخله. بينما خصصت المبحث الرابع لدراسة انفتاح الحكي الشعري على خطاب الرسالةالتي تستلهم تكوينها الجمالي من خطاب الرسالة بوصفه خطابا يتوسط ذاتين، غير أن الشاعر وإن كان قد استلهم أسس الرسالة إلا أنه عمد إلى شعرنتها؛ فالنصوص هي محكيات شعرية أسهمت في إعادة إحياء الماضي، والكتابة بهذا المعنى هي حفظ لذاكرة الشاعر.
وإذا كان كل بحث لابد له من أن يتوصل في نهايته إلى نتائج معينة، فأنا أظن أن هذه الأطروحةَ توصلت إلى بعض النتائج النسبية، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أعدها نهائية، ومن ضمن هذه النتائج:
إذا كان كل سرد يتميز بخصائص فنية تميزه فإن القصيدة الحكائية لا تخرج عن هذا التوظيف. ونقصد بالخصائص الفنية المكونات والعلاقات بين القصيدة الحكائية وغيرها من الأجناس السردية؛ ففي ما يخص المكونات نرى أن من الواجب الوقوف عند ما يناسب القصيدة منها، ونذكر من بينها: الحكي والزمن والذاكرة. والسبب في هذا الاختيار يعود إلى أن مكون الحكي هو ما يجعل القصيدة متصفة بالسرد، كما أن هذا المكون لا ينفصل عن الزمن والذاكرة؛ فهذان المكونان الأخيران يناسبان الأنا الشعرية والدفق الشعري. أما بقية المكونات الأخرى، وبخاصة الرؤية السردية وتعددية الأصوات؛ فإننا لم نر أنها ذات فائدة؛ لأن الشعر كان غنائيا أم حكائيا يخضع لصوت وحيد هو صوت الشاعر ولرؤيته.
ــــ تبين لي عبر الأطروحة أن القصيدة العربية الحديثة لم تعد كما كانت في القديم تخضع للمعايير التي كانت تكتفي فقط بالغنائية، والإيقاع، واللغة، بل صارت نصا مفتوحا على كل الاحتمالات الجمالية، وصارت تتفاعل مع جميع الخطابات سواء أكانت أدبية أم غير أدبية.
ــــ ومن أهم النتائج التي توصلت إليها أن اللغة الشعرية جددت نفسها، ولم تعد تعتمد على المجاز، ولم تعد أيضا تعتمد على اللغة الشعرية كي تكون مقبولة جماليا؛ حيث انفتحت على اللغة الأجنبية، ولو بطريقة غير مباشرة، وعلى لغة السرد التي جعلتها تهتم بالزمان والحركة.
ــــ وتبين لي أيضا بوساطة الانفتاح على مكون الحكي أن القصيدة لم تتغير على مستوى اللغة والصورة والبناء الدلالي والجمالي اللغوي فحسب، بل تغيرت أيضا حتى على مستوى فضاء الصفحة، وتنظيم الكتابة، حيث لم يعد البيت والسطر هما الأساسان، بل صارت الجملة الشعرية تتسم بالطول والاستمرار، وأصبحت توازي طابع الفقرة النثرية، وهذا تغيير مهم؛ لأن القصيدة الحديثة، ليست هي  اللغة فقط، بل هي أيضا تشكيل بصري.

هذه النتائج التي ذكرتها هي مرحلية ومؤقتة؛ لأن المتن الشعري الذي درسته، وحللته محدود، وكما نعلم فإن مدونة الشعر العربي الحديث لا يمكن الإحاطة بعدد نصوصها؛ فمن الصعب أن أدرس جميع الدواوين الصادرة في العالم العربي.

ضع تعليقك هنا
الإبتسامات إخفاء