لمحات تربوية على هامش حادثة اعتداء التلميذ على أستاذه بورزازات - عبد الرحيم كلموني ( مفتش التعليم الثانوي)




      ما الذي يحصل في الجسد التعليمي المريض؟ هل هي أعراض الاحتضار التربوي والقيمي الطويل؟ سكرات موت ممتد لعقود؟ تاريخ أزمات وتدابير منحطة تتلوها تدابير منحطة...؟ الفيديو الذي شاهدناه بالأمس ببالغ التحسر والصدمة مشهد يمسرح أزمة التعليم المغربي ... مشهد لا يمكن أن يتركنا لا مبالين ... من حسنات التكنولوجيا أنها مكنتنا من اقتحام عتبات القسم الحصينة المنغلقة على نفسها... هناك في الفصول الدراسية المنغلقة على نفسها، و التي على أبوابها تتحطم المذكرات وتتبخر المراسيم وتلفظ الإصلاحات أنفاسها الأخيرة ملومة محسورة...هناك حيث تعربد اللامبالاة....وحيث يواجه المدرس الوحيد الأعزل المتعب ... في ربيع العمر أو خريفه الأمر سيان...المدرس الذي ألقي به في أتون الجحيم... جيشا في كامل لياقته البدنية... في عز عنفوانه مدربا أحسن تدريب ...وقد تخفف من القيم و ومدججا بقيم جديدة صارت تشد بتلابيب هذا المجتمع لذي نخره المرض...
   لبثنا لمدة نعيد مشاهدة التسجيل لمحاولة فهم ما جرى مثل كابوس مريع أخذنا نعيد لقطات المشهد علنا نفهم ماذا يختفي خلف تلك الحركات المتشنجة والتصرفات الغريبة: يبدأ الشريط بمشهد قسم استفاد للتو من الصباغة (هل تصلح الصباغة ما أفسدته عقود طويلة من التسيب والارتجال و"الفوضى المستتبة " كما عبر فيليب ميريو ذات يوم؟) وزود بسبورة مغناطيسية ألصقت فوق أخرى خشبية...ولكن أرضيته غير مكنوسة. يظهر مجموعة من التلاميذ يشبهون في ملابسهم المزركشة والمزينة بالرموز والأرقام وطريقة حلق رؤوسهم مغنيي الراب متحلقين حول أستاذ وهم يحاولون ثني زميل لهم عن التقدم صوبه فيما الأستاذ يتابع صامتا المشهد عن كثب. وفي لحظة يبدو على التلميذ الهائج وكأنه انصاع لرغبة زميل له كان يهدئه وهمَّ بالجلوس في مقعده...لكن سرعان ما عاد من جديد قافزا على المقعد مندفعا بعد دفع زميل آخر حاول ثنيه عن تصميمه ثم زميل ثالث حال بينه وبين الأستاذ الواقف خلف مكتبه ليلتحق بهذا الأخير من جديد ويسدد له لكمة أولى فثانية ليشتبك الاثنان في عراك قام الأستاذ فيه، في ما يبدو بتسديد لكمة ربما زادت من حنق التلميذ. وسمعنا أحدهم يصيح: "اطلق منو" لا ندري من كان يقصد المدرس أم التلميذ.
   وبعد أن فض بعض التلاميذ الاشتباك رأينا الأستاذ يعاتب أحد المتدخلين في فك الاشتباك مستنكرا مطالبته بعدم الإمساك بالتلميذ المعتدي وهو يسدد الضربات...ثم سمعنا تعليق تلميذة ربما هي التي كانت تصور المشهد متمترسة في ركن القسم مستنكرة بطريقة عدائية فعل المدرس: "يجدُ من يدافع عنه ومع ذلك يتكلم". تصرُّفُ الأستاذ أثار حفيظة التلميذ المتدخل في فك الاشتباك فرأيناه ينسحب إلى مؤخرة القسم موجها كلاما للأستاذ التقطنا منه العبارة الأخيرة التي مفادها "منك ليه". وسرعان ما رأينا التلميذ المعتدي يعود من جديد ليحاصر الأستاذ خلف المكتب في ركن القسم وينقض عليه بشراسة موجها له عدة لكمات محاولا إسقاطه أرضا فيما الأستاذ يحاول تحاشي الضربات والسقوط. أما التلاميذ فاكتفوا، للحظة، بدور المشاهد بل رأينا تلميذا يرتدي بذلة رياضية سوداء مكتوب عليها اسم المغرب (أصبح الوطن مجرد اسم يوضع على بذلة رياضية) يلتفت باتجاه مصورة المشهد وهو يضحك...التحق ثلاثة تلاميذ بركن القسم حيث حاول تلميذ يرتدي كاسكيطة حمراء مقلوبة فك الاشتباك.رأينا الأستاذ يحاول تفادي الضربات عن طريق الالتحام بالمعتدي. ثم رأينا التلميذ يُسقِط المدرسَ أرضا ليلتحق عدد آخر من التلاميذ بالمتعاركَيْن بمن فيهم التلميذ الذي كان يضحك...كان المعتدي ملتحما بالأستاذ المنطرح أرضا يواصل ضرب الأخير وسحبه على بلاط القسم فيما ستة تلاميذ يحاولون عبثا تخليص الأستاذ المنبطح مُصدرا صرخات استغاثة مكتومة من قبضة التلميذ المعتدي...ليختتم المشهد باستدارة التلميذ صاحب البذلة الرياضية الحاملة لاسم المغرب صوب الكاميرا ضاحكا من جديد. وكانت آخر لقطة ينتهي بها الشريط هي تهيؤ التلميذ المعتدي لتسديد لكمة أخرى للأستاذ المنبطح أرضا والذي لم يعد يظهر فيما لبث يصلنا صدى أنينه المتقطع...
حاولت تلخيص هذا الكابوس الفظيع بواسطة الكلمات مدركا بأن اللغة تندحر -لا محالة - أمام بلاغة الصورة...فعلت ذلك فقط لأفهم ما الذي حصل...وتزاحمت في ذهني الأسئلة: لماذا تقاعس التلاميذ في ردع زميلهم وكأنهم غير مبالين حتى أن بعضهم كان يشاهد سحل الأستاذ ضاحكا؟ رغم كل تلك الجلبة َ لماذا لمْ نر أثرا للإدارة؟ لماذا لم نر ولو واحدا من أساتذة الأقسام المجاورة؟ هل كان الأمر معتادا؟ هل يعاني الأستاذ من اضطراب نفسي كما يبدو من ردود أفعاله؟ وإذا كان كذلك، فما مسؤولية الإدارة المحلية والإقليمية؟ وهؤلاء التلاميذ أليسوا في مدرسة؟ فلماذا إذن يلبسون ملابس قراصنة أو في أحسن الأحوال ملابس مغنيي الراب؟ ما الذي، يا ترى، شحن هذا التلميذ بكل هذا العنف، بكل هذه العدوانية؟ ...فيض من الأسئلة تتناسل. لكن السؤال الأهم هو: هل هذه الواقعة الموثقة بالصورة حادثة معزولة أم هي الشجرة التي تخفي الغابة؟ 
    لقد صار العنف مسألة طبيعية تتسلل إلينا يوميا عبر ما لا يعد ولا يحصى من الصور التي تقتحم علينا وجودنا وتنغصه علينا في الحل والترحال. وقبل أن نطلب نوما عصيا تكون آخر المشاهد التي نودع بها يومنا هي مشاهد الدمار والموت والعنف حيث تنزف الدماء وتتقطع الاشلاء حتى صار العنف خبز أيامنا... لماذا أحسسنا بالصدمة العميقة حين تناهى إلينا هذا الفيديو المريع؟ هل لأنها فقط تهم قبيلة التدريس والتعليم التي ننتمي إليها؟ أم لأنها تومئ إلى تهديد كاسح يتوعدنا بالويل والثبور في الحال والمآل، أم هي شأن يخاطب الجميع؟
بعد أن تخفت حدة الانفعال وينخفض منسوب الدهشة والمرارة ...وتتبخر عبارات الشجب والإدانة والمطالبة بالاقتصاص من المعتدي .... والمطالبة بإعادة الاعتبار للأستاذ المسكين الذي انتهكت كرامته ومرغت في التراب علما بأن لا شيء بمقدوره جبر الضرر المعنوي الذي تعرض له الأستاذ...وسرعان ما سيطوي النسيان الواقعة مثل كل الوقائع التي يشهدها مجتمعنا وتشهدها مدارسنا باعتبارها جزءا من هذا المجتمع أغلبها لا يوثقه صوت ولا صورة ويظل طي جدران الفصل الدراسي ...لا عين رأت ولا قلب وجع. فليدبر الأستاذ(ة) أمر سلمه الاجتماعي داخل جحيم القسم بالصورة التي تحلو له بما في ذلك إغداق النقط والتودد وما يشيب له ريش الغراب رغم وجود أساتذة يقبضون على جمر المهنة النبيلة متجشمين كل ما يلاقونه من عناء.
بعد كل ذلك يحق لنا -كمواطنين أولا وكمهنيين ثانيا - أن نتساءل: لماذا صرنا على هذه الحال؟ من المسؤول عن هذا الوضع؟ مؤسسات تعاني من أدواء مزمنة ... إدارة تربوية قلمت أظافرها تدريجيا منذ عقود... فكلف عدد قليل من الإداريين بتسيير مؤسسات مترامية الأطراف يؤمها جيش من المتعلمين... مدرس إما استفاد من التكوين ذات عهد فتقادم تكوينه مع الوقت بحيث لم يعد يساير متعلمين بمواصفات جديدة، أو استفاد حديثا من تكوين فارغ ومتجاوز، أو لم يستفد من التكوين أصلا، في مواجهة جمهور متعلمين دائمي التحول على مستوى القيم والأمزجة وعلى مستوى الميول ومراكز الاهتمام...قيم وأمزجة تتولى وسائل الاعلام الرخيصة، ووسائط التواصل المبتذلة في ظل انحسار دور الأسرة والمدرسة والمجتمع، أمر صياغتها وترسيخها وترويجها لتنتج أجيالا ضائعة فاقدة للبوصلة.
يأتي المتعلمون بقدرات انتباهية متدنية، فقد خلصت دراسة أنجزها فيليب ميريو Ph. Merieu إلى أن 70 % من القدرات الانتباهية للجمهور المتعلم قد تبخرت. علاوة على ذلك فأن جل التلاميذ يأتون إلى المدرسة إما في حالة خمول أو في حالة إثارة نفسية بفعل الحقول المغناطيسية والسهر أمام الحواسيب وما شابهها حتى أضحى ركوب الأسد أسهل من تسيير فصل دراسي... قبل سنوات تعالت صيحات بعض العلماء الغربيين منبهين الساسة إلى أن الفاشية قادمة من مقاعد المدرسة... أليس ما يحصل الآن بمدارسنا سوى فاشية متنامية تتخذ آلاف الأشكال وتنذر مجتمعنا بالويل والثبور؟
                                                       
                                                      ذ عبد الرحيم كلموني 
                                                      مفتش التعليم الثانوي

ضع تعليقك هنا
الإبتسامات إخفاء