كلمة للراحل محمد بن شريفة رحمه الله متحدثا عن سيرته و أعماله على هامش إحدى ندوات تكريميه | الاثنينية 347 - 2011

فيما يلي كلمة للراحل العلامة الدكتور محمد بشريفة  رحمه الله متحدثا عن سيرته و أعماله في حفل تكريمه من قبل الاثنينية، وهي مؤسسة و منتدى أدبي وفكري يقام مساء كل يوم إثنين وقد عني بتكريم الكثير من رجالات الأدب والثقافة والعلم والفكر وغيرهم من المبدعين من مختلف أنحاء العالم العربي. (قبلها كلمة  تقديمية لمؤسس المنتدى السيد عبد المقصود خوجة.)


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
تسعد اثنينيتكم هذه الليلة بتكريم سعادة الأستاذ الدكتور محمد بن شريفة، عضو أكاديمية المملكة المغربية، والمربي الفاضل، وصاحب المؤلفات التي ذاع صيتها في تحقيق التراث، والاستشراق، وعلوم اللغة العربية.. تجشم مشاق السفر من المغرب الشقيق، استجابة كريمة لدعوتكم في إطار التوأمة بين "الاثنينية" و "النادي الجراري"، تلك الخطوة المباركة التي شرفت بمباركة العاهل المغربي جلالة الملك محمد السادس، وأسهمت في تنمية وشائج التواصل الثقافي والأدبي بين بلدينا الشقيقين.
الحديث عن ضيفنا الكبير عميق الغور بعيد الساحل، يتصف باتساع الإشارة وضيق العبارة.. تراه متسنماً الغاية في علوم كثيرة حتى ليظنه المتتبع لأحد منجزاته أنه قد تفرغ له، ومنحه صدارة وقته وعصارة جهده وزهرة عمره، ثم يفاجأ به عالماً متبحراً في أبواب عديدة لا تقل جدية ومثابرة في الطرح والاستقصاء.. فقد أدهش مجايليه وطلابه في المراحل الجامعية وفوق الجامعية بطريقته المميزة في دراسة التراث متكئاً على الأعلام.. فهو لم يسمع بعلم وإن ابتعد عن دائرة الشهرة إلا وغاص في بطون كتب التراث مستقصياً أدق تفاصيل حياته، وبيئته، والأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة في عصره، ثم ينسج من ذلك التنوع بردة زاهية الألوان، تكتمل ملامحها بجهود مقدرة وصولاً بالكتاب المخطوط إلى القارئ للاستفادة من التراث الذي عفا عليه الزمن، وكاد يندثر في غياهب النسيان.
ومما تميز به أستاذنا الجليل تناوله التراث كوحدة متكاملة البنيان، فهو بالنسبة إليه ليس نصوصاً جافة وأوراقاً مهترئة بقدر ما هو كيان حي ينبغي التعامل معه بمهنية وروح فنية في السياق ذاته.. يعيد بحذق بالغ ينابيع الحياة إلى جداول جفت بعد طول عهد فيرسم لوحات مترعة بالحيوية والحركة واللون، فتنبض الكتابة معه بعوالم زاخرة بالعطاء الذي لا ينفصم عن تاريخ مجيد.. لكنك لا تجده قط متباكياً على طلل دارس أو مجد غابر.. ذلك أن عنصر الحياة لديه أكبر بكثير من أن يئده تقادم الزمان.. وبالتأكيد فإن هذه الرؤية العلمية والفنية لا تأتي من فراغ، بل هي نتيجة تزاحم علوم تلاقحت ثم أفرزت عناصر مختلفة وكأنها تفاعل كيميائي، أشبه ما يكون بصانع الزجاج الذي يصهر الرمل، ثم يخرج علينا بآنية لا علاقة لها بمكوناتها الأساسية.. هكذا يتعامل ضيفنا الكريم مع التراث، إنه يستنطق الصمت، ويبلور أكثر من موقف، ليمتعنا بألق غير مسبوق في دنيا تحقيق التراث، فله منا جميعاً وقفة إجلال وتقدير واحترام.
لقد أفادت المملكة المغربية الشقيقة، وكثير من المهتمين حول العالم، بما أفاضته "خزانة القرويين" من مراجع نادرة في مختلف التخصصات.. فقد أنشئت في منتصف القرن الثامن الهجري، ثم تأسست بصورة رسمية عام 1940م على يد الملك محمد الخامس "رحمه الله".. وكان ضيفنا الكريم خامس محافظ لها بعد الاستقلال.. وارتقى العمل بها إلى ما يقارب عمل وزارة بما تضمنته من أقسام مختلفة.. وهذه الزاوية تكشف لنا عن الجانب الإداري في شخصية ضيفنا الكريم.. فمثل هذا الصرح المهم يحتاج إلى كفاءة مرموقة لتسيير دفة العمل بما يضمن سلاسة الأداء، والمحافظة على مقتنيات الخزانة التي لا تقدر بثمن.
إنني أغبط أشقاءنا في المغرب على هذه الواحة الفواحة.. فمثلها قمين بأن تشد إليه الرحال.. وكم كنت أتمنى أن نجد في كل مدينة عربية مثل هذه الدوحة الباذخة.
وبالرغم من هذه الشواغل العلمية والإدارية، لم يبخل ضيفنا الكريم على طلبة العلم في الدراسات العليا بوقته وجهده، مشرفاً وموجهاً لطلابه في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، كما يمتد نشاطه إلى كثير من الدول العربية والأوربية محاضراً ومشاركاً في ندواتها وفعالياتها العلمية.. ونشط في جانب دراسات الاستشراق ومنحها ما تستحق من عناية ورعاية.. فهذه الدراسات على جانب كبير من الأهمية لا سيما من ناحية ارتباطها الأيدلوجي وفق مرئيات القائمين عليها.. فمنها ما هو علمي بحت يبحث أسس الحضارة الإسلامية وتفاعلها مع غيرها لإثراء الحياة الإنسانية أينما كانت، وهناك متنكب عن الحق وجادة الصواب.. بعض المستشرقين يرى أن الحضارة الإسلامية أسهمت في تطور الحياة الأوربية من خلال المشهد الأندلسي الذي نهض بكثير من معالم الحياة.. وقد شرفت بالمساهمة في ترجمة ونشر كتاب (الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس) الذي صدر في جزأين وبطبعتين متتاليتين عامي 1419/1420هـ الموافق 1989/1999م مترجماً عن الأصل الإنجليزي بإشراف الدكتورة سلمى الجيوسي.. كتبت مواضيعه بأقلام علماء غير عرب أو مسلمين.. تناولوا بأوراق رصينة أساليب الحياة التي أرساها العرب والمسلمون في الأندلس في شتى نواحي العطاء الإنساني.
لقد استفاض أستاذنا الجليل في دراسة وتحليل طبقات المستشرقين وحاول من خلال لقاءاته العديدة في جامعات إسبانيا وغيرها أن يدحض التيارات المتطرفة التي أجحفت في حق العرب والمسلمين.. خاصة بعد أحداث سبتمبر 2001م التي عصفت ببقية ما كنا نأمله في شرح وتوضيح معالم النهضة الشاملة التي تحققت للغرب على أيدي العرب والمسلمين.. وكان لديَّ شخصياً مشروع طموح لطباعة سلسلة كتب بلغات حية لدعم هذا التوجه قبل أحداث سبتمبر.. وقد قطعنا شوطاً إلا أنه أجهض حيث أصبح بلا طائل بعد الذي شهدته الساحة من تقلبات سياسية، واقتصادية، واجتماعية.
إن النشاط الواسع لضيفنا الكريم في مجال التعليم الجامعي يستدعي أن نتوقف معاً لنلقي نظرة عجلى على مخرجات التعليم الجامعي في الوطن العربي بصفة عامة.. فالعلامة الفارقة في هذه المخرجات بُعدها النسبي عن متطلبات سوق العمل.. ولست بصدد مقارنة جائرة أو غير منطقية بين بلد عربي واليابان.. لكنني من منطلق واقعي أتحدث عن (المغرب) و(اليابان) لجهة تقاربهما من حيث المساحة والثروات الطبيعية، غير أن نظرة سريعة بموجب إحصائيات عام 2007م نجد الآتي: نسبة العاطلين عن العمل في المغرب 15% وفي اليابان 4% نسبة عدد السكان تحت خط الفقر في المغرب 15% وفي اليابان صفر.
نسبة عدد السكان في مجال الصناعة في المغرب 15% وفي اليابان 27%.
نسبة الناتج القومي للفرد في المغرب 3.800 $ وفي اليابان 33.800 $.
يستطيع كل منصف أن يرى بوضوح أثر التعليم في تشكيل خارطة الحياة.. وبالتالي فإن الناتج القومي الذي يختلف بنسبة 1100% (ألف ومئة في المئة) لا يمكن أن يكون بسبب عوامل طبيعية متقاربة المستويات بين البلدين.. إذن محصلة التعليم هي التي تفسر هذا الفارق الهائل، وتجعلنا أمام معضلة حقيقية تحتاج إلى إعادة النظر عاجلاً غير آجل في مسألة المناهج وأساليب التعليم في العالم العربي.. فالمعادلة بقدر ما هي سهلة، إلا أنها تحتاج إلى وقفة صلبة لرأب الصدع، وإعادة صياغة الإنسان العربي، وصهر مكوناته، في سباق مع الزمن، لإنتاج المواطن المتحرك مع عجلة الحياة، والقادر على الخروج من ربقة الاستهلاك والاستيراد إلى آفاق الإنتاج والتصدير، وهذا لن يتحقق إلا بنظام تعليمي متطور.
لا أود زيادة العبء على ضيفنا الكريم، فلديه الكثير الذي سيثري به هذه الأمسية مشكوراً، آملاً أن ننهل جميعاً من منابع عطائه الصافي النمير.. ناقلاً لاقط الصوت لمعالي الأخ الأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الله الصالح، مدير جامعة أم القرى السابق، ليتفضل برعاية هذا اللقاء.. وعلى أمل أن نلتقي الأسبوع القادم لنحتفي بالدبلوماسي والأديب الروسي أوليغ بيرييسيبكين، الذي درس في معهد الاستشراق في موسكو، ثم معهد العلاقات الدولية التابع لوزارة الخارجية السوفيتية.. وقد ألف أكثر من عشرين كتاباً وعشرات المقالات العلمية.. وتدور مؤلفاته وأبحاثه حول قضايا الشرق الأوسط، والنفط، والدبلوماسية التي مكنته من التعرف على جوانب الحياة المختلفة في بعض الدول العربية.. وهو يجيد اللغة العربية، وله نشاطات اجتماعية وثقافية متنوعة.
فإلى لقاء يتجدد وأنتم بخير.
والسلام عليكم ورحمة الله،،،  ( عبد المقصود خوجة) 


((كلمة سعادة الأستاذ الدكتور محمد بن شريفة))
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سيدي مؤسس الاثنينية سيدي عبد المقصود خوجه، سيدي رئيس الجامعة، حضرات السيدات والسادة.
أبدأ فأقول رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. ويَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي. يَفَْقَهُوا قَوْلِي (طه: 25- 28).
وأنشد قول الشاعر:
أنا امرؤ فيّ انقباض وحشمة
فإذا لقيت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيتها
وقلت ما شئت غير محتشم
إنه لشرف عظيم أن أحظى بتكريم الاثنينية، اثنينية معالي السيد عبد المقصود خوجه ورفاقه الأجلاّء، هذه الاثنينية التي شرّق ذكرها وغرّب، وانتشرت أعمالها في العالم العربي والإسلامي وعرّفتنا بالجهود التي بذلها الكتاب والعلماء والكتاب والشعراء في هذا البلد العزيز، في المملكة العربية السعودية، وقد أبى معالي الشيخ عبد المقصود إلاَّ أن يشرك في التكريم أبناء الأمة العربية من مشرقها ومغربها. وأود أن أقول ولساني يكاد يتلعثم أمام حضراتكم ولكنكم ستعذرونني. أود أن أقول في البداية بأني بحمد الله وكرمه الذي أنعم عليّ بعدد من الجوائز لا أعرف تكريماً ولا جائزة مثل القلادة التي قلدني بها معالي الشيخ في كلمته الرائعة، لقد تربيت في بيئة أهلها من المتصوفة وحفظة القرآن وغرسوا في نفسي شيئاً من التهيُّب وعدم الحديث عن النفس والابتعاد عن الظهور، وإن شيء أرجو أن أقوم به على نحو من التواضع وعدم الإفاضة في الحديث، لقد قرأت جملة من الأعمال واستعرضت كذلك بعض ما جرى في هذه الاثنينية فلفت نظري شيء يستحق الاهتمام، ولا سيما خلال المناقشة وهي تضع المراحل وتضع شيئاً من المرح في الأحاديث وتبادل الكلمات مما يدل على أهل العلم وأهل الفضل في هذا البلد.

طلب إلي أن أتحدث ولكن الكلمة التي تليت بالتعريف عن سيرتي وعن الأعمال التي قمت بها كانت كافية ووافية، أما الكلمة الرائعة للشيخ عبد المقصود كما قلت لا تجدني قادراً على إعطائها حقها من التقدير والإجلال، إن الأعمال التي قمت بها في الواقع أعدها أعمالاً متواضعة لا أظن أن لها شأناً في التنويه الذي جرى لها، ولكني أقول بأن البذرة التي نشئنا عليها وربينا عليها وهي بذرة حفظ القرآن الكريم، هي التي أثمرت ثمارها في كل ما قيل، الأعمال المتواضعة التي أنجزتها التي ظهر عدد منها وما يزال عدد آخر سيأخذ طريقه إلى النشر بإذن الله هي أعمال موزعة بين خدمة تراث الأدب وتعرفون حضراتكم أن الأندلس هي امتداد للمغرب وكان للمغاربة شأن كبير في فتحها وعمرانها وفي تراثها كذلك، ومن ثم فإن تراثها آل إلى المغرب وما يزال ماثلاً في المخطوطات التي توجد في الخزائن العامة والخاصة، كما أنه يتمثل في مظاهر الحياة اليومية وفي مظاهر الحضارة من لباس وطبخ وعمارة ويتمثل في صورة أخف في أعمال علماء المغرب الذين تابعوا أعمال أسلافهم في الأندلس فعنوا بتراث الأندلس وشرحوا المتون التعليمية وألّفوا تآليف في التعريف برجالات الأندلس، وهذا موضوع من المواضيع التي عنيت بها واشتغلت فيها، وقد كان توجهي لهذا التراث الأندلسي مبكراً، فقد كنت وأنا طالب في الكلية اليوسفية في مراكش أقرأ بعض ما يصدر في مجلات مغربية، من دراسات أندلسية، كالدراسات التي كان يكتبها في ذلك الزمن الأستاذ محمد الفاسي والأستاذ عبد الله كنون وغيرهما ممن كانوا يكتبون في الموضوعات الأندلسية.
 وكانت البداية لذلك عندما فتحت الجامعة المغربية سنة 1956م وكنت وقتها أعمل مفتشاً للتعليم الإبتدائي والتعليم العام. التفت إلى هذه الكلية لأن الظروف السياسية التي حدثت في المغرب من نفي السلطان محمد الخامس والأحداث التي وقعت بعد ذلك دعت إلى إغلاق الكلية اليوسفية التي كنت طالباً فيها وكنت أتابع الدراسة في القسم الأدبي من الشهادة العالمية. وعندما أغلقت أضطررت للعمل في مجال التعليم والحمد لله لم يطل الأمر فعاد محمد الخامس واستقل المغرب وانشئت جامعة محمد الخامس في الرباط فانتسبت إليها، وقد كنت ولله الحمد ضمن أول فوج تخرج منها، وكذلك أول من سجل موضوعاً للدراسات العليا فيها فكانت أطروحتي عن أبي مطرف أحمد بن عميرة المخزومي، وهو أشعر كاتب ومترسل وأديب ومفكر في الأندلس في القرن السادس الهجري، سجلت موضوع رسالتي للدبلوم في كلية الآداب بالرباط عن شخصية أندلسية وهذه كانت البداية وقد قدم لها الأستاذ المرحوم محمد الفاسي رئيس الجامعة وأول وزير للتعليم بعد الاستقلال، بمقدمة اعتبرها إشارة إلى الطريق الذي سلكته بعد ذلك واعتبرها كذلك بداية لما تعرفه الدراسات الأندلسية في المغرب. 
وقد تابعت هذا العمل للإسهام في تحقيق بعض الكتب الأندلسية في بعض المراجع والأمهات والمصادر الأندلسية لما كان الأستاذ الزعيم محمد الفاسي-رحمه الله- وزير الشؤون الإسلامية والثقافية استدعى عالماً محققاً من علمائنا وهو الأستاذ محمد بن تاويت الطنجي وكان يدرس ويقيم في تركيا في كلية "الأديان" في استنبول، ولما جاء هذا الأستاذ المحقق ربطتني به صلة وثيقة ودعاني إلى أن أساهم في ما كانت الوزارة تنوي القيام به في تحقيق بعض الأصول والأمهات في اللغة والتاريخ وكان إسهامي في تحقيق جزء من أجزاء ترتيب المدارك للقاضي عياض وكذلك في تحقيق كتاب التعريف بالقاضي عياض لولده ثم بعد ذلك شاءت الظروف أن أكون أول مبعوث للدراسات العليا للدكتوراه في القاهرة، وفيها أسعدني الحظ بأن أجد في الجامعة أستاذاً جليلاً وعالماً كبيراً هو الدكتور عبد العزيز الهواري، الذي له إسهامات في مجالات مختلفة وله فكر وآراء وأحكام مستنيرة معروفة وهذا الأستاذ عرفته في المغرب قبل أن أرحل إلى القاهرة لأنه كان أول مستشار ثقافي للسفارة المصرية في الرباط، ولهذا الأستاذ عناية خاصة بالآداب الشعبية، ولا سيما الآداب الشعبية الأندلسية من أمثال إبن قزمان وكذلك الألفاظ الأندلسية القديمة وكذلك ما قام به من دراسة لبعض البرامج الأندلسية، الشاهد أنه كان من أوائل المعنيين بتراث الأندلس في الجامعة المصرية وقد أشرف على عدد من الدارسين في هذا المجال وكنت من بين من سعدوا بإشرافه على أطروحتي التي كان هو من اقترح موضوعها، كان رحمه الله قد نشر مجموعة من الأمثال العامية جمعها عالم أندلسي كبير من علماء غرناطة هو ابن عاصم الغرناطي، وهذا عالم فقيه وقاض ألف كتاباً في القضاء والأحكام هو تحفة ابن عاصم وكانت من محفوظاتنا وقد شرحها علماء كثيرون وعلى أساسها كان القضاء في المغرب وهو كذلك ناظم الشاطبية وله منظومات متعددة في القراءات والنحو وغيرها، الشاهد أن عبد العزيز الأواني-رحمه الله- كان قد نشر أمثال ابن عاصم وذلك في كتاب أهدي إلى عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، في عيد ميلاده السبعين، باعتباره من تلامذة عميد الأدب فنشر هذه المجموعة من الأمثال، ولما سافرت إلى القاهرة من أجل الدكتوراه وهنا أود أن أذكر أنني سافرت بالسيارة من المغرب إلى القاهرة وكنت أقصد من ذلك إلى الوقوف عبر رحلة ميدانية إلى زيارة بعض المكتبات، في الجزائر وفي تونس خاصة وبذلك أتيح لي أن أحمل معي كتباً أو مصادر أو مراجع مما قيل لي إنني سأكون في حاجة إليها في مصر فأخذت معي عدداً من المصادر المغربية والمراجع المغربية ومن بينها مخطوطات أو صور لبعض المخطوطات. ولما وصلت إلى القاهرة كان أول من اتصلت به هاتفياً هو عبد العزيز الهواري ثم زرته بعد ذلك في بيته، وأخطرته بأني موفد لنيل دراسة الدكتوراه فرحب بأن يشرف عليها وكنت أريد أن يكون موضوع أطروحتي عن الاتجاهات الأدبية في عصر الموحدين، وهو عصر كبير وغني بالتراث الأدبي وكنت قد استعددت لذلك بتجميع ما يتعلق بهذا الموضوع ولكنه بعد تذاكرنا حول أمثال ابن عاصم وأخبرته بأني وقفت على مجموعة من الأمثال سابقة عليها بأحد أعلام القرن السابع الهجري، العالم القرطبي هو الزجالي لما وقف عليها قال لي أقترح أن تكون هذه موضوع أطروحتك، وكذلك كان، فقد قمت بهذا العمل وإن كنت بسبب نشأتي القرآنية ودراساتي ومطالعاتي فيما يتعلق بالأدب الفصيح، لم أكن في الواقع من أهل هذا الشأن، بل لم أكن كذلك في هذا الموضوع موضوع الأمثال كما هو متوقّع يلتمس مما عند كبار السن، أو عند العجائز من النساء لأنه عبارة عن ما يسمع ويقال، لكم أن تعرفوا أن شاباً حفظ القرآن ودرس المتون، وكان يقصر وقته على مطالعة كتب الأدب الفصيح من دواوين شعرية ودواوين الكتاب المشهورين، أن يشرع في التعامل مع أمثال رُويت وسمعت وهي تعكس لهجات قوم وأناس درسوا وانقرضوا، ولكن بحمد الله استطعت أن أخرج منها عملاً جيداً أصبح مرجعاً في هذا الموضوع للمتخصصين الذين يهتمون بهذا الموضوع، لا سيما من بعض المستشرقين. 
وكان اعتمادي في هذا العمل، وكان عملي هذا يقتضي جهداً خاصاً ذلك أني ربطته بالمنابع وبأمثال العرب أولاً في مجامعها المعروفة من الميداني وغيره، وكذلك بأمثال المولدين. وفي هذا المجال وجدت ثروة من أمثال المولدين التي جمعت في عصور مختلفة، لكن أمثال الأندلسيين تظل مثالاً حياً على أن الأندلسيين لم يكن يفوتهم شيء من تراثهم، سواء من التراث الفصيح أو العامي ونعرف أن ابن قزمان وهو شاعر زجّال وهو زجّال من القرن السادس نعرف أن ديوانه كان منتشراً لكنه انتشر كذلك في المشرق وهكذا كان تدوينهم للأزجال والأمثال تدويناً كان في محله لأن ما نسمعه من بعض شيوخنا أو نجد لدى بعض المؤلفين لمن يدونون هذا التراث، وفي كتاب "الذخيرة" لابن بسام وهو أهم كتاب في التراث الأندلسي الأدبي عندما تحدث عن الموشحات، قال بأنها لا تستحق أن تدون أو أن تسجل كما أنه عندما تحدث عن بعض أشعار الصقالبة وآدابهم قال بأنها لا تستحق التدوين، لأني بدأت بالحديث عن عمل، سعيد بأن أسهب فيه هذا الإسهاب وأني حرصت على تدوينه أخيراً في مشروع صدر عن وزارة الثقافة في المغرب من خمسة أجزاء، الأجزاء الثلاثة في الأمثال التاريخية التي دونت بدءاً من القرن السادس الهجري حتى القرن الثاني عشر، مجموعات متسلسلة من الأمثال هذه الأمثال مدروسة ومشروحة ومقارنة بغيرها من الأمثال العامية في العالم العربي كله، حيث حرصت على أن أجمع كل ما صدر من أمثال عامية في العالم العربي، وقد يكون في بلد عربي أكثر من مشروع في العراق وفي اليمن وفي الجزيرة وفي بلاد المغرب وفي مصر طبعاً، وفي السودان، يعني كل المجموعات العامية جمعتها وقارنتها وكل ذلك موجود، هنالك محور آخر وهو الأزجال وقد اخترت من الأزجال التي جمعتها ودرستها في جزأين عن الأزجال التي قيلت في الجهاد و بدأتها بما قاله ابن قزمان في تخليد معركة الزلاقة، وهي المعركة الشهيرة التي انتصر فيها يوسف بن تاشفين وقد سجلها ابن قزمان، وأنا اقتصرت على ما قيل فيها من جهاد. هنالك موضوعات في خدمة التراث الفصيح بين مغربية وبين مشرقية، فأما المغربية فتتمثل في تحقيق بعض الدواوين الشعرية مثل ديوان ابن هركون وديوان البسطي وغيرهما ومثل كتاب الترسيل كتابات بعض الأندلسيين من المترسلين وقد أشير في التقديم إلى هذه الكتب، ولكني أيضاً عنيت بالتراث المشرقي فقد أنجزت دراسة عن عناية المغاربة في أدب المتنبي، تحقيقاً لشعره ودراسة له ومعارضة لبعض أشعاره، كما عنيت بالشيء نفسه بالنسبة لأبي العلاء المعري الذي كانت له مكانة خاصة لدى الأندلسيين ووقفنا على تراثه الكبير منه ما نشر ومنه ما في طريقه إلى النشر، وشروح بعض الأندلسيين لديوان سقط الزند وهذا بعض ما قمت بإنجازه وسينشر إن شاء الله، وعنيت كذلك بأبي فراس الحمداني وكان السبب في ذلك أن الفاضل الكريم صاحب جائزة البابطين للشعر كان قد اختار أن يقيم ندوة حول أميرين شاعرين هما أبو فراس الحمداني والأمير عبد القادر الجزائري وقد أقيمت هذه الندوة في الجزائر، ولأني كنت أحد أمناء الجائزة فقد طلب مني أن أحققه، هنالك شرح لابن خالويه اللغوي المعروف وهو شرح غير معروف وغير مشهور توجد منه نسخة خاصة في المكتبة الوطنية بتونس أحضر إلي نسخة وأسند إلي القيام بتحقيقها وهذا أول شرح وأقدم شرح لشعر أبي فراس. وفي الوقت نفسه قمت بتحقيق النسخة المغربية الموجودة في خزانة القرويين من ديوان أبي فراس الحمداني.

 ولا أخفيكم أنه يصعب عليَّ الحديث عن نفسي ولكن المناسبة تقتضي ذلك، وأن لساني يعجز عن التعبير عن شكري الجزيل وتقديري العميق وثنائي البالغ لما قام ويقوم به الشيخ عبد المقصود في هذه السنة التي أحيا بها العلم وكرم فيها العلماء، فلذلك أختم هذه الكلمة المرتجلة بالدعاء لسيادته بطول العمر وبالصحة والعافية وبمزيد من العطاء وهو عطاء غزير للاثنينية، أنا عاجز عن الشكر لأمرين أولهما لما حباني به منذ زمان بعيد بالتكرم عليّ بهذه المجموعة الفخمة التي فيها علم غزير وأدب غزير وتكرم عليّ بإرسالها وما يزال، فإنها تحتل جناحاً خاصاً من مكتبتي المتواضعة. وثانياً لا شكر لا أفي ما قلت من شكر على أن أكون من بين المكرّمين في الاثنينية وأدعو الله تبارك وتعالى أن يثيبه على هذه الأعمال الصالحات وأن يجزيه عنا خير الجزاء وأرجو أن تعذروني إذا لم تجدوا فيّ ما تتوقعون.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(السيرة الذاتية))
- الاسم: الأستاذ الدكتور محمد بن شريفة
- ولد عام 1930 بالعثامنة (عمالة الجديدة)، حيث حفظ القرآن الكريم وتلقى الدراسة الأولية.
- حصل على القسم الأول من الشهادة الثانوية من كلية إبن يوسف بمراكش عام 1949.
- حصل على القسم الثاني من الشهادة الثانوية من كلية إبن يوسف بمراكش عام 1951.
- درس سنة في القسم النهائي الأدبي بالكلية المذكورة التي أغلقت خلال الظروف السياسية المعروفة.
- نجح في مباراة اختيار المعلمين عام 1952.
- حصل على شهادة الكفاءة في التعليم عام 1956.
- نجح في مباراة اختيار مفتشي التعليم عام 1957.
- كان من أول فوج حصل على الإجازة من كلية الآداب بالرباط عام 1960.
- كان أول من حصل على دبلوم الدراسات العليا في الأدب من الكلية المذكورة عام 1964، وتمت معادلته في جامعة القاهرة بالماجستير.
- حصل على دكتوراه الدولة في الأدب بمرتبة الشرف الأولى من جامعة القاهرة عام 1969.
- أستاذ كرسي الأدب الأندلسي من عام1970 إلى حين تقاعده عام 1995.
- محافظ الخزانة الكبرى بجامعة القرويين (1976- 1978).
- عميد كلية الآداب بجدة (1978- 1983).
- مسؤول عن جامعة محمد الأول في فترة التأسيس.
- محافظ الخزانة العامة بالرباط (1989- 1995).
- أشرف على عدد كبير من الرسائل والأطاريح في المغرب والخارج.
- عضو أكاديمية المملكة المغربية منذ تأسيسها عام 1980.
- عضو عامل بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
- عضو مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي بعمّان.
- عضو مراسل بمجمع اللغة العربية بدمشق.
- عضو مراسل للأكاديمية الملكية للتاريخ بمدريد.
- عضو مجلس الأمناء بمؤسسة حمد الجاسر الخيرية بالرياض.
- عضو مجلس الأمناء بمؤسسة البابطين للإبداع الشعري بالكويت سابقاً.
- حاصل على جائزة المغرب للكتاب عام 1987.
- حاصل على جائزة الملك فيصل العالمية عام 1988.
- حاصل على جائزة الاستحقاق الكبرى عام 1993.
- حاصل على جائزة الكويت للتقدم العلمي عام 1999.
- حاصل على وسام العرش من درجة فارس عام 1978.
- حاصل على وسام العرش من درجة ضابط عام 1988.
المؤلفات والمقالات:
- البسطي آخر شعراء الأندلس، ط، بيروت، 1985.
- أبو المطرف أحمد بن عميرة المخزومي، 1966، منشورات جامعة محمد الخامس.
- أبو تمام وأبو الطيب في أدب المغاربة، 1986، ط، بيروت.
- ابن عبد الملك المراكشي، 1984، منشورات أكاديمية المملكة المغربية.
- أبو يحيى الزجالي لقرطبي، 1971، منشورات وزارة الثقافة.
- بنو عشرة، 1965 منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي.
- التعريف بالقاضي عياض وبنيه، 1982، ط، ثانية.
- ابن عبيد يس النفزي من أعلام التصوف بالأندلس في القرن السابع، طبع ضمن كتاب في النهضة والتراكم، 1986.
- ابن فركون (من شعراء البلاط النصري)، 1987، مطبوعات الأكاديمية.
- ابن رزين التجيبي، 1982، مجلة كلية الآداب، الرباط، ع، 8.
- ابن بياع السبتي، 1982، مجلة المناهل، الرباط، ع، خاص 22.
- مؤرخ أندلسي مجهول، 1985، مجلة أوراق ومجلة الأكاديمية.
- الفقيه الكانوني ومؤلفاته، 1989، نشر ضمن كتاب آسفي دراسات تاريخية وحضارية، من ص 171 إلى ص 196.
- ابن عميرة قاضياً في الرباط وسلا، مجلة دعوة الحق، 1965.
- ابن عميرة في إفريقية الحفصية، مجلة دراسات أندلسية.
- القاضي عياض ضمن موسوعة "مذكرات التراث المغربي"، 1984.
- الكفيف الزرهوني وملعبته، الطبعة الملكية، 1987، 257 صفحة.
- ابن عبدربه الحفيد، 1992، 250 صفحة.
- ابن الزبير وكتابه الزمان والمكان، 1993، 141 صفحة.
- بنو زهر- نظرات في تاريخ أسرة أندلسية، 1991، 21 صفحة.
- هشام المؤيد في طفولته، 1991، 12 صفحة.نشر في كتاب Boschvila.T.I Homenaje.
- المنتوري، 1992، نشر في كتاب بحوث الملتقى الإسباني المغربي للعلوم التاريخية، مدريد، 1992.
- ابن خمير السبتي وآثاره، 1990، 34 صفحة، نشر في مجلة دار الحديث الحسنية، ع 10، 1992.
- الحافظ الماكري وآثاره، 1990، 50 صفحة، نشر في مجلة المناظرة، ع 2.
- البناهي لا النباهي، نشر في مجلة الأكاديمية، العدد 13.
- الكانمي، 1991، منشورات معهد الدراسات الإفريقية.
- إبراهيم الساحلي، 1992، منشورات معهد الدراسات الإفريقية.
- عبد الرحمن سقين، 1993، منشورات معهد الدراسات الإفريقية.
- ابن عمر، 26 صفحة، مجلة الأكاديمية، العدد 10.
- ابن لبال الشريشي، 1996، 151 صفحة، مطبعة النجاح، الدار البيضاء.
- ابن مغاور الشاطبي، 1994، 318 صفحة، مطبعة النجاح، الدار البيضاء.
- ابن حريق البلنسي، 1996، 330 صفحة، مطبعة النجاح، الدار البيضاء.
- تراجم مغربية، 1996، 268 صفحة، مطبعة النجاح، الدار البيضاء.
- أديب الأندلس أبو بحر التجيبي، 1999 (تحت الطبع)، حوالي 350 صفحة، مطبعة النجاح، الدار البيضاء.
- ابن رشد الحفيد- سيرة وثائقية، 1999، 379 صفحة، مطبعة النجاح، الدار البيضاء.
- تاريخ الأمثال والأزجال في الأندلس والمغرب، خمسة أجزاء. ط وزارة الثقافة، 2006.
في مجال التحقيق العلمي:
- مذاهب الحكام في نوازل الأحكام، ط1، سنة 1990، ط2، سنة 1998.
- التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات، ط، الدار البيضاء، 1991.
- الزمان والمكان، ط، الدار البيضاء، 1993.
- مظهر النور الباصر، ط، الدار البيضاء، 1991.
- ديوان عبد الرحمن حجي (بالاشتراك)، بيروت، 1991.
في مجال الدراسات والمقالات:
- الأندلس في آثار المبدعين والدارسين المصريين، ضمن كتاب العلاقات المصرية المغربية، القاهرة، 1992.
- أوائل النوازليين والمفتين المغاربة، منشورات كلية الآداب، الرباط، 1995.
- الصلات بين عدوتي الرباط وسلا والأندلس، ضمن كتاب الندوة العلمية حول الرباط وسلا، منشورات الأوقاف، 1994.
- العامية الأندلسية والمغربية بين أمثال الزجالي وملعبة الكفيف الزرهوني، طبع ضمن أعمال ندوة في سرقسطة، 1994.
- العناية بتراث الأندلس في المغرب وإسبانيا، ضمن كتاب التراث الحضاري المشترك بين إسبانيا والمغرب، ط، الرباط، 1993.
- أعمال أخرى جاهزة وأُعِدَّت للطبع.
المصدر : منقول عن موقع الاثنينية 

ضع تعليقك هنا
الإبتسامات إخفاء