مقالات | الاختلاف والمساواة : تناقضات اللاوعي الجمعي ساندرو جيندرو SANDRO GINDRO ترجمة زينب سعيد

الاختلاف والمساواة: تناقضات اللاوعي الجمعي
ساندرو جيندرو SANDRO GINDRO[1]ترجمة زينب سعيد

نتيجة بحث الصور عن ‪SANDRO GINDRO‬‏

لايمكن تجاهل أهمية علم النفس الحركي؛ فقد يتم التشكيك في صلاحيته، لكن الأهمية التي بات يحتلها يجب الاعتراف بها، وبالتالي يجب أن نضع في الحسبان التراكم العلمي الذي أنتجه، من خلال ما تحدث عنه المحللون النفسانيون.
لقد اتسمت أحكام المحللين النفسانيين بالمجازفة في مجملها في حق هذا العلم،قد توصف النفس البشرية بطرق عديدة، وقد تكون متباينة فيما بينها. فالتحليل النفسي على كل حال لديه ايجابيات؛ أهمها القدرة على الالتزام، فقد يقول المحلل النفساني أشياء مشكوكا في صحتها إلى حد ما، لكن تخصصه كان دائما حشد الأسباب العميقة للسلوك الإنساني.
هذا موقف شجاع ومفيد في الحقل العلمي، بالنظر إلى أن العلوم غالبا ما تكون ضحية اللامبالاة والعبث والخوف من النقد السلبي.
كان موقف التيار المسمى بـ"السلوكية"، في الحقل النفسي،  موقفا مشوشا وغير علمي. فقد حاول ممثلوا هذا التيار، وبالاعتماد على الأوهام الوضعية للقرن التاسع عشر، اختزال البحث النفسي في الملاحظات الخارجية للمعطيات المتوقع أن تكون "ملموسة" ومأخوذة من السلوك الحيواني. خشي كل من واطسون وبافلوف التأمل الداخلي المتصف بالذاتية، حيث إنهما تنكرا لوجود القيم والمعتقدات الداخلية الموجهة للسلوك الفردي، وتنكرا لوجود القدرات الفطرية المسبقة، واعتبروه-أي التأمل الداخلي- غير مؤكد وتجريدا غير قابل للملاحظة والقياس. بالنسبة لمؤسسي السلوكية تكفي الملاحظة الخارجية لسلوك الكائن الحي  للوصول إلى المعطيات الدقيقة للبحث وذلك بالاعتماد على القاعدة التي يتم عليها تأسيس التقييم اللاحق والتجريب في سلسلة غير منتهية. غير أن هذا الموقف لا يعطي اعتبارا بأن الأرقام الإحصائية والمعطيات التجريبية غير قابلة للتقييم خارج أي ترجمة، حيث تبقى في غيابها أرقاما ورسومات بيانية مجردة من أي معنى.
ورث مجمل علم النفس التجريبي موقفا غير مقبول علميا من السلوكية لأنها لا تمتلك القدرة على انتزاع خلاصة من ملاحظات تتجاوز الوصف البسيط للظواهر في ذاتها. ذلك أن الوصف الحقيقي والبسيط لا يسمح بتقدم البحث، لكنه يؤدي في نهايته إلى "ميتافيزيقا دوغمائية" لعلم مبني على الإحصاء. بينما يبدو أنه من الأفضل لتقدم العلوم وجود ما أسميه أنا "الميتافيزيقا النقدية" التي تنطلق من المعطيات لتصل إلى ما وراء الواقعية النسبية، واضعة نفسها محل انتقادات حيال مقاييس نفس الثقافة المهيمنة. فقد كان سبب ظهور  آخر محاولات السلوكية هو الرد على الانتقادات الناتجة عن الجمود الدوغمائي التي تبدو في صورة تكيف محتشم  لمنطق اللامبالاة العقيمة علميا .
يهتم التحليل النفسي باللاوعي، الذي يعتبر النظر إليه دائم الحضور في الثقافة الغربية {لا أريد التطرق إلى هذا الموضوع في علاقته مع الثقافات الأخرى التي لا اعرفها جيدا}؛ يكفي استحضار أسطورة تراتسكيبيوس لدى الإغريق القدماء التي تحكي عن متنافس بمدينة أوليمبيا في السباق بعربة الخيول والذي كان يخرج عن المسار كلما اقترب من خط الوصول بسبب خوف الخيول أو بسبب اقتراف خطأ يفقده كل شيء . فقد تشكلت أسطورة "مفزع الخيول" على إثر هذا الحادث، وهي تلك الروح الشريرة... ليس من الصعب التعرف من خلال كل هذا على الميكانيزم النفسي الذي سماه التحليل النفسي فيما بعد بـ"الفرصة الضائعة". اي فعل غير مرغوب فيه بوعي يلحق الضرر بالانسان الذي يقوم به. هو فعل صادر عن اللاوعي.
إن مفهوم اللاوعي حاضر في ثقافتنا منذ زمن بعيد قبل وجود مؤسسي التحليل النفسي؛ حيث تحدث فلاسفة مثل ليبنتز وشيلينغ بطريقة واضحة عن هذا الموضوع محددين بعض الخصائص المميزة ومعرفين وظيفتها الهامة  بالنسبة للكائن البشري. لكن ما أريد تأكيده هنا هو انه لا يمكن للاوعي الفردي ، حسب رأيي أن يكتسب معناه التام إلا في حالة فهمه كـ"لاوعي جمعي"، فأنا مقتنع تماما أن اللاوعي هو ثمرة التفاعل بين الفرد والمجتمع.
إنني أولا وقبل كل شيء ثمرة تاريخي الجيني، وبعدها ابن المجتمع الذي بناني وبنى حتى لاوعي. لا أريد أن أنتحل مزايا لا املكها: كان اللاوعي الجمعي موجودا سابقا بطريقة ضمنية او واضحة في فكر مؤسسي التحليل النفسي الكبار، فقد قال كل من فرويد ويونغ نفس الشيء في العمق. حيث يبدو أن الأول هو المنظر للاوعي الفردي ولكن ليس صحيحا. فالواقع أنه، حينما تحدث عن "اورفناتازيا" فانه كان يقصد بها الأوهام الأصلية التي لا تتطابق مع تجربة واقعية، ولكن هي ذكرى فتنة متجذرة في القدم انتقلت عن طريق ميكانيزم التطور الجيني وبالتالي بطريقة أو بأخرى تروم إلى إرث اللاوعي المشترك. "أعتقد أن هذه الأوهام الأولية {...} هي الشفرة الوراثية للتطور الجيني. تسمح للفرد بتخطي تجربته الفردية، ليستفيد من تجربته الجنينية"[2].
هكذا عمل يونغ بدوره، وهو المنظر للاوعي الجمعي وللأشكال البدائية للحدس. "فالفرد ليس، قطعا، كائنا في ذاته، كائنا معزولا،  لكنه كائن اجتماعي أيضا، بهذا فالفكر الإنساني ليس كينونة وحيدة وفردية بحتة، لكنه ظاهرة جماعية أيضا {...}. هكذا يمكن شرح كيف أن لاوعي الأجناس والشعوب القديمة تمتلك قدرا كبيرا من التوافق  فيما بينها، خاصة إذا تعلق الأمر بالأشكال والرموزالأصلية"[3].
يقول الاثنان نفس الشيء: لا توجد هناك تجارب فردية، توجد تجارب جماعية تتحكم في حياة الفرد. وبعدها يركز الاول على الفرد الوحيد في حين يركزالاخرعلى الجماعة. وفي النهاية فإن النموذج الاصلي للحدس الذي تكلم عنه يونغ ماهو إلااوهام فرويد.وبذلك  فنظريات الاثنين محدودتين لاعتبارهما اللاوعي حقيقة مطلقة، قد تكون جامدة، خارج التاريخ وقبله. حتى ان يونغ قدتحدث عن اللاوعي بطريقة مشابهة: للافكار الافلاطونية.
على هذا الأساس، ستكون لمفهوم الذكر دائما، مثلا، نفس الخصائص التي يمتلكها مفهوم الأنثى. طبعا، كل شيء مرتبط إلى حد ما بالحقبة التي تم التنظير فيها لهذه المبادئ، التي كانت مفيدة على كل حال.
عزل التحليل الفرويدي مظهر  اللاوعي الفردي، مهملا نظيره الاجتماعي. قد ذهب الفكر اليونغياني ابعد من ذلك منظرا للاوعي الجمعي. انا اليوم اسلم بمفهوم "اللاوعي الجمعي". هذه هي الحقيقة التي اكتشفتها في ملاحظة العالم ومن خلال التجرية العلاجية.
المفهوم الذي اريد توضيحه جد مركب، اسمح لنفسي باستعادة مثل. هناك حلم معروف يحكيه كل المحللين النفسانيين من يدري كم من مرة يحكونه، ويتعلق الأمر بشخص يحلم بأنه يقطع مبنى مجهولا، يمر بالدهاليز  ويدخل القاعات ويخرج منها، يصعد الدرج وينزله، يلتقي باشخاص. الترجمة المبسطة ستكون هي: انك حلمت تحليلك، حلمت المشي في لاوعيك. لكن، حسب رايي، فاللاوعي هنا يعبر بقول حقيقة شفافة: الحالم داخل هذا المبنى، وليس العكس. مغامراته وصعوده ونزوله وغموض الانفاق التي يمر منها هي اللا وعي الذي يحيط به. اذن نحن بداخل اللاوعي وليس العكس أن اللاوعي يوجد بداخلنا. لهذا فالتحليل النفسي لا يجب ان يكون علما يعتبر الفرد موضوعه الوحيد، ولكنه حتما علم اجتماعي، يجب ان يستعمل مقاييس لا تقتصر على تحليل التاريخ الفردي، لانه لن يكون مفهوما خارج علاقة فرد-مجتمع.
اعتقد انه من المفيد ان نستلهم بهذا الخصوص بعض ملاحظات فيلسوف لم يعد اليوم ذا شعبية: كارل ماركس، الذي نظر للاوعي الجماعي قبل يونغ. بالنسبة لماركس الحقيقة الاهم هي الحقيقة الاقتصادية بمعنى حقيقة علاقات الانتاج. هذه هي البنية الاساسية التي على اساسها تبنى باقي الهياكل والمنظومات، التي هي الفن والدين والاخلاق والفلسفة والسياسة نفسها، لكنها تعتمد دائما على الوضعية الاقتصادية. كل هذا يشكل نوعا من اللاوعي الجمعي الذي على الفيلسوف توضيحه للناس، جاعلا اياهم يفهمون حقيقة امر هو ان لكل دين هيكل اقتصادي محدد يتناسب معه، هكذا هو الحال مع المجال الفني، الذي يعد ثمرة نوع  محدد من العلاقة الانتاجية وهكذا دواليك.
إن الانسان، بالنسبة لماركس، يتطور عبر التاريخ، من خلال ميكانيزم دياليكتيكي. حيث إن المنظومات ليست ثابتة؛ كل شيء يتغير، يتطور يتقدم أو يتراجع لكن رغم ذلك يتحول. ليست هناك صور نمطية ثابتة. في نظري هناك شيء اعمق للاضافة:  فالعلاقات الإنتاجية ليست أساس الحقيقة الإنسانية؛ بل هناك شيء سابق، شيء أعمق: هو الاحتياجات.
فقد وضع ماركس الاحتياجات في الأساس، لكنه ربطها ميكانيكايا بقوة بعلاقات الانتاج وبالبنية الاقتصادية. فالاحتياجات اعمق من ذلك ولا يمكن تحقيقها تماما عبر تطبيق الميكانيزم الاقتصادي.
الاحتياجات لا تخضع لميكانيزم علاقات الانتاج: الاحتياجات هي احتياجات.
الاحتياجات، اذن، يتم التعبير عنها من خلال الرغبات، والرغبات توضع في قمة القيم التي تكون ربما في علاقة بالقوانين الاقتصادية. على اساس كل شيء هناك اذن حاجة، فالرغبة ثم القيمة، فالعلاقات الاقتصادية ، والوضعية الاقتصادية و، من جديد، القيم وربما تعاد نفس الدورة وهكذا دواليك، في دائرة لا متناهية.
في هذه الحالة، التي عرضتها جيدا وبشكل عام، هناك اسباب دفعتني لاختيار مفهوم اللاوعي الجمعي"، حتى اميزه عن نظيره الجماعي ليونغ.
اللاوعي ليس بداخلي لكنه موجود بيني وبين الاخرين. موجود في المؤامرات غير الملموسة، فأحكام الوالدين، والكهنة، والمدرسين، بنوا، رويدا رويدا، القيم التي وجد عليها كل واحد منا؛لهذا فاللاوعي، الذي يعتبر تجمعا للرغبات والغرائز، يتأتي اي نعم من التجارب الشخصية، وحتى من الرسائل المرسلة من المجتمع الذي نعتبر جزءا منه. يمكن القول إن اللاوعي ينشأ من القيم الموجودة منذ الولادة ومن التجارب المعاشة. فالقيم ليست في الأول مختارة. لكنها كانت موجودة في البيئة المحيطة والتي تم قبولها أو تم رفضها فيما بعد. هناك اعتقاد سائد بان الرفض الواعي لعوامل بعينها ولقيم يؤدي إلى التحرر التلقائي من  تاثيراتها. فاي موقف  رفض يتمثل حتى في تغيير جذري لموقف يستمر الاعتماد عليه بطريقة أو باخرى.
فالحرية المطلقة غير ممكنة؛ ومعارضة عوامل معينة يعني الانطلاق دائما من نقطة بعينها، لديها معنى وقيمة معارضة لباقي المعاني والقيم الأخرى التي يراد استعادتها. لا أحد يؤسس نظام قيمه على  اللاشيء. فمن الضروري إذن، الأخذ بعين الاعتبار الحركات الايجابية والسلبية على جد سواء، والمحددة في أي لحظة للاختيارات الفردية والجماعية.
فاللاوعي الجمعي، ليس ثابتا ولا جامدا بل يتطور، ويتقدم. إنه يتخلل الكائن البشري بمبادئه. يؤثر فيه، يغيره، ويشكله. كما قلت سابقا، حيث أن التأثيرات تبدأ من الجنين في بطن امه حتى من أول مشاعره وأحاسيسه؛ قبل الولادة بكثير. وتنضاف المنبهات الآتية من الخارج إلى تلك المحتويات الموجودة في العدة الجينية منذ بداية الحمل ويتم استقبالها من طرف الجنين. وتدخل في عمل التاثيرقبل الولادة، لتصير فيما بعد تلك العلاقة الموجودة بين الفرد والعالم؛ بين التأثير ومحاولة التحرر من التاثير. وتنبع مفاهيم الخير والشر من هذا التبادل، القبول والرفض، تنضاف إليها باقي المفاهيم في ما بعد. وبالتالي حتى مفاهيم الاختلاف والتشابه، التي تعتبر مركز اهتمامي هي مفاهيم شهدنها، شعرنا بها، داخليا وخارجيا، من الأول: لا أقول منذ الولادة بل منذ زمن بعيد قبل الولادة، لا أعرف تحديدا بدايته، ربما حين كان الأنا متواجدا في خلايا الآخرين، خلايا الأسلاف والآباء، خلايا الحالمين والمغنيين والمحبين، اعني بكل ببساطة، خلايا الكائن الحي.
فيما يخص الاختلاف والتشابه، فهي ايضا مفاهيم فلسفية، حتى انها أساس المنطق الغربي. يقول سقراط: "أ هي أ وليست هي لا-أ". فلقد اعتبرت هذه ولمدة طويلة مفتاح الدخول للمعالجة المنطقية للكائن البشري. واليوم لم تعد قطعا صحيحة؛ لكن ميكانيزم التفكير يبقى حتما في إطار المعنى السائد، هو هذا الى حد ما. اذا كانت "أ" ليست هي لا-أ" فصحيح  اذن أن "أ ليست هي ب". فالتأملات الفلسفية لها اهمية منهجية كبيرة؛ لكن على السيكولوجي والسوسيولوجي والانثروبولوجي أن يأخذوا بعين الاعتبار ما يفكر فيه الناس عادة. فقد وقفنا جميعا عند المفهوم الارسطي للاختلاف والمساواة، الى حد انه استمر في تمييز وحتى تقييم باقي الكائنات البشرية التي ندخل معها في علاقة. هناك اشخاص نعتبرهم متشابهين معنا وأخرين نعتبرهم مختلفين عنا. فما هي المعايير التي على أساسها نقرر ان كنا سنعتير الاخر مشابها لنا او مختلفا عنا؟
فقد وجدنا الاختلاف والتشابه فينا اولا، وجدناه متجذرا ومجتمعا من طرف جماعتنا الاجتماعية.والتأمل فيهما يحيلني على قدرة فهم أن تشكيل مفاهيم الاختلاف والتشابه له فائدته.  فائدة اقتصادية واجتماعية بالأساس،  لا يمكنني التطرق الى هذا الموضوع الان. من وجهة نظر سيكولوجية، يجب أن يكون المختلف مفهوما على هذا النحو لامكانية استغلاله بشكل جيد. فدائما ما يتم التفكير، بوعي أو بغير وعي ،حينما يقال إن احدا مختلفا عنا، بانه دوني. وبالتالي فان كان دونيا يمكن السيطرة عليه. هذا صحيح حتى النخاع: اراه دائما في عملي على مرضاي، اراه في احلامهم، واوهامهم.على الرغم مما يبدو أن الوعي المعاصر قد تجاوزه، فان عامل الاختلاف الاساسي الذي يطفو على السطح مباشرة هو دائما لون البشرة. فحتى الاشخاص الاكثر تحررا اجتماعيا والديمقراطيين يفهمون أن المختلف هو ذو لون مختلف.  ورغم كل شيء فاننا مازلنا في عتبة ما قاله جوبيرتي: السود هم كائنات دونية لان بشرتهم سوداء، فالاسود هو المناقض للضوء، الذي تم رمزه باللون الابيض.
بذلك، فالمختلفون هم ايضا مفيدون لانهم يعطون الاحساس بشرعية استغلالهم؛ لكن مفهوم الاختلاف له وظيفة اخرى بالنسبة للاوعينا الجمعي، نحن في الواقع بحاجة اليه من اجل ايجاد هويتنا. الاخرون هم المختلفون، المتناقضون معنا، ونتناقض بدورنا معهم. والانا، في هذه اللعبة الدياليكتيكية، تجد هويتها وتبنيها. أنا اعرف، او على الاقل اظن انني اعرف، ما هي حدود لا وعي الفردي، ولاوعي الجمعي وشخصي، بكل عاداتها واستعمالاتها وتقاليدها. لدي هويتي، التي أعرف بها، التي تميزني عن الاخر. من اجل ارضاء حاجة الهوية هذه يجب التاكيد على اختلاف الاخرين، حتى ولو استدعى الامر ابتكارها. هذا ما كان عليه الحال بالنسبة للافراد وبالنسبة  للجماعات الاجتماعية.
هناك  مظهر آخر يجب وضعه في الحسبان الا وهو: الجاذبية التي يمكن ان يمارسها المختلف، ذو طبيعة جنسية في غالبها.
فالمختلف، في الواقع، يمارس جاذبية قوية في اللاوعي: على سبيل المثال،اكثر اعمال العنف اتجاه "المختلفين"  هي ايضا عبارة ثأر ليتم توهمهم كمغتصبين، او مرغوب فيهم جنسيا؛وحتى هذا خطاب معقد وصعب. بالاضافة الى ان الاختلاف يخيف لان اختلافه يضع هويتنا في أزمة، بنفس الطريقة التي يؤكدها بها.
في عالم متجه نحو التعدد العرقي، والتعدد الديني، حيث ان الاختلاف يجعلنا حتى نحن مختلفين باستمرار. ان كنا مختلفين جميعا، فمن اكون أنا؟ ربما يعني هذا اننا سواسية. هذه نقطة أخرى: المساواة تخيف بدورها أكثر من الاختلاف؛ لان الرقابة تكون هنا أقل.
قيل إن التشابه يقلق أكثر مما يقلق الاختلاف، لانه اقل خضوعا للرقابة. فقد علمنا لاوعينا الجمعي أن نتعرف على المختلف، كالذي خلق تحت سقف سماء مختلفة، الذي يتكلم لغة مختلفة، ولديه لون بشرة مختلف. لا يمكننا أن نعرف اذن من هو  شبهنا، حيث أنه في غياب الاختلافات الاخرى يتم اللجوء إلى تحديد الاختلاف الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي؛ بطريقة أو بأخرى يكون الخوف من ادراك تشابه في الاخر، يجعله مثيلا لنا، يجعله ويجعلنا غير مختلفين مع خطر جعلنا نفقد الهوية التي نحتاجها مقابل معرفتنا. فقدان الهوية هو أحد اسباب ازمات الخوف الاكثر شيوعا دائما.
كل الجماعات تحتاج إلى تلاحم من اجل التشابه، من اجل التحديد. مقلدو رامبو أو الشقروات المصطنعات اللواتي يحاكين جميلات الشاشة يعبرن عن الحاجة للتشبه بأحد ما. كل جماعة تتعارض مع جماعة أخرى مؤكدين التشابه الداخلي والاختلاف الخارجي.
لكن، من جهة أخرى فالمساواة تفتت الهوية ببطء لانه قد يحدث أن ندرك ان هذا المختلف المزعوم هو في الحقيقة متشابه معنا. الشخص الذي ظننته مختلفا عني  في الواقع، يكلمني ذات مساء صيف في مستشفى الطب النفسي سانتا ماريا ديلا بييتا، قائلا، واضعا يده على ركبتي: هل تعرف لما انت موجود؟ احسست بضيف يتملكني وفكرت: " هذا الشخص لديه اذن نفس مشاكلي؟" أحسست بالانزعاج لعدة عوامل، لاني أحسست بانه يشبهني، ولاني متشابه أنا أيضا معه. كنت اظن دائما ان الحقيقة التي امامي هي ربما بعيدة كل البعد عني، وربما لاسباب اخرى كانت كذلك، لكن كم هي قريبة؟ المصيبة حينما نحس او ننتبه أن المختلف عنا ما هو في الحقيقة إلا مشابه لنا.  ان كنا كلنا متشابهين، فما هو مصير فردانيتنا؟ يبدو أننا سنتوه في سديم: بياض في بياض، حيث لا يرى شيء، كما لو أنه سواد في سواد. حيث يختلط الخوف بالسخافة.
يتم شرح ازمة الخوف التي تعتبر اليوم في تزايد مطرد هكذا: فكل المصحات النفسية للمستعجلات مليئة بالاشخاص الذين ياتون هناك بسبب ازمات قلبية وخفقان والخوف من الموت والغثيان والتعرق؛ التشخيص هو: ازمة الخوف. الرعب من سخافة هذه الحياة واستحالةالمعرفة والتعرف.
الخوف الذي ترجمه الطب النفسي القديم بطريقة بدائية، والذي نسب له التحليل النفسي معاني جنسية بدائية، في حين أن هذه المعاني لها ارتباط بالقلق، الآتي من ادراك السخافة التي تأتي بطريقة حتما ثانوية  عبر احداث الدوافع الجنسية المستبعدة إلى حد ما. السخافة أكثر غموضا من اللاوعي، حيث أن ابعادها قد تكون بادية جزئيا للعيان وحتى يتم ابداؤها على السطح على طليعة الشعور أو الوعي.
السخافة غير قابلة للتفسير وغير قابلة للتصور، لكن الحياة الانسانية قد تخللتها، الكائن البشري لا يعرف ماهو أصله، ولا من يكون هو نفسه، ولا اين تتجه وجهة كينونته، وما الذي ينتظره. فقد اعطت الديانات عدة تفاسير، وحاول الفلاسفة عقلنة معنى الوجود، وقدمت العلوم تفسيرات تعتبر هدفا في ذاتها؛ لكن لا احد تجاوز وشرح الحضور الحقيقي للسخافة. الانسان والسخافة يتعايشان، لكن لا يمكنهما الدخول في علاقة فيما بينهما. يتم التعبير عن الخوف في البداية خاصة الخوف من المرض، الخوف من الاماكن المغلقة، الخوف من الاماكن العامة، يتقاطع مع احداث الجنس المرفوضة لانها تعتبر غير قابلة للتطبيق ومنحرفة، غالبا ما تفضي الى الرعب من الموت، الى رفض حتمية وجود نهاية للحياة؛ لكن الخوف يذهب ابعد من ذلك الى حد اللا يتبقى له معاني اخرى غير السخافة في ذاتها.
وأقول ختاما، إن المساواة لا يمكن أن تتحقق أبدا. والخطاب السائد اليوم هو خطاب مشوش. تلزم الشجاعة الكافية للاعتراف بمساواة الاخرين ومساواتنا. خاصة إذا استطعنا أن نحب الآخرين دون تمييز، نستطيع ربما إبطال مفعول بعض ميكانيزمات التشويش العنصرية. لا يتعلق الأمر، هنا، بالنضال ضد مفهوم الاختلاف، ولكن ضد الخوف من المساواة.

ترجمة زينب سعيد




[1]  محلل نفساني ايطالي ولد سنة 1935 بتورينو وتوفي سنة 2002. مؤسس معهد التحليل النفسي للابحاب الاجتماعية واستاذ الفلسفة بالثانوية العلمية اهتم في ابحاثه بالاصول النفسية للعنصرية والخوف من الاخر وبحضور المقدس في المجتمعات المعاصرة.
[2]Freud S., tr. Introduzione alla psicoanalisi, in Opere, Boringhieri, Torino, 1967-79, vol. VIII, p. 526).
[3]Jung G.C., tr. La struttura dell’inconscio, in Opere, Boringhieri, Torino 1983, vol. VIII, P. 272).

ضع تعليقك هنا
الإبتسامات إخفاء